وعلى القول بأنه جملة اعتراضية يكون التقدير هكذا: كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا- لو كانوا يعلمون- وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.
وعليه فإن﴿ لَوْ ﴾- كما قالوا- شرطية متعلقة بقوله تعالى:﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَكَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾،وجوابها محذوف، تقديره: لو كانوا يعلمون شيئًا من الأشياء، لعلموا أن هذا مثلهم. أو: لو كانوا يعلمون أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن، لما اتخذوه دينًا. أو: لو كانوا يعلمون وهن الأوثان، لما اتخذوها أولياء من دون الله تعالى.
وقد ذكرنا من قبل أن هذه الجملة استئنافية، جيء بها لبيان صفة العنكبوت، التي يدور عليها أمر التشبيه، وهي جملة خبرية مقيَّدة بالعبارة الشرطية:﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾. وهذه العبارة الشرطية تنفي صراحة علمهم بأن أوهن بيت على الإطلاق هو بيت العنكبوت. أما نفي علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا فهو مبنيٌّ على نفي علمهم بأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. ويدل عليه تشبيه الأول بالثاني.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى قال:﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾، فأتى بأداة الشرط:﴿ لَوْ ﴾المتضمنة معنى التمني؛ لينفي بذلك علمهم مع تمني حصول ذلك العلم منهم. ونحو ذلك قوله تعالى:﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾(العنكبوت:64).
لاحظ كيف جاء قوله تعالى:﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾مؤكَّدًا ب﴿إِنَّ﴾، وباللام في خبرها﴿ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ﴾، ثم قيِّد بالعبارة الشرطية، التي تنفي علمهم بذلك، مع تمني حصول ذلك العلم منهم؛ وهي قوله تعالى:﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾. ولكن هيهات، هيهات أن يعلموا ذلك. ولو جاء من يعلمهم به، لظلوا في ظلمات جهلهم غارقين.. ومثل هذا الأسلوب في القرآن كثير لمن أراد التأمل والتدبر.
ويبيِّن ذلك أن الأصل في﴿ لَوْ ﴾أنها أداة تمن، ثم نقلت إلى الشرط؛ وذلك من باب تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد؛ ومن خواصِّها فرض ما ليس بواقع واقعًا، وتستعمل فيما لا يُتَوقَّع حدوثُه، وفيما يمتنع حدوثه، أو فيما هو محال، أو من قبيل المحال، سواء كانت في عبارة شرطية؛ كقوله تعالى:﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾(التوبة:81). أو كانت في جملة شرطية تامة؛ كقوله تعالى:﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾(الأنفال:63).
وإذ ثبت بما تقدم أنهم كانوا لا يعلمون أن بيت العنكبوت أوهن البيوت؛ كما أخبر الله تعالى عنهم، فهل كانوا يجهلون طبيعة هذا البيت، من حيث قوة نسجه؟ وهل كان القرآن الكريم يجهل ذلك أيضًا؛ كما يدعي أعداء الإسلام؟
أما الجواب عن السؤال الأول فقد روي عن سكان جزر السلَمون أنهم كانوا يقومون قديمًا بصنع شباك صيد الأسماك من خيوط العنكبوت..فإذا ثبت ذلك عنهم، فمن أين أتاهم علم ذلك، وكيف علموا به؟!
وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول: لو كان القرآن الكريم يجهل طبيعة بيت العنكبوت، لما أخبر عنه على سبيل التأكيد بأنه أوهن بيت على الإطلاق، ثم قيَّده بنفي علمهم بذلك.
ويدل على ذلك أن قوله تعالى:﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ﴾لا يكون إلا جوابًا عن جحود جاحد. فهو جواب من قال: ما بيت العنكبوت بأوهن البيوت. ألا ترى أن قولك: إن زيدًا لعالم، جواب من قال: ما زيد بعالم. وإن محمدًا لرسول الله، جواب من قال: ما محمد برسول الله. وعلى هذا جاء قوله تعالى:﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(المنافقون:1).
ومما تجدر الإشارة إليه أن القرآن الكريم ليس هو كتاب علم، حتى يفصل القول في شرح هذه الحقائق؛ كما فصل العلم القول فيها؛ وإنما هو كتاب هداية قبل كل شيء. ولهذا يكتفي بالإشارة إليها إشارات فيها العبرة لمن أراد أن يعتبر، ولا يخفى ذلك إلا على من طمس الله على بصره، وأعمى بصيرته﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾(الحج:46). فأنى لأولئك الصم البكم العمي أن يفهموا كلام الله جل وعلا؟!
والسؤال الذي ينبغي أن يسأل هنا هو: كيف يكون بيت العنكبوت أوهن البيوت على الإطلاق، وهو منسوج من أقوى الخيوط على الإطلاق، وأكثرها مرونة؟ وكيف يجتمع في منشأة واحدة الحد الأدنى من الوهن، والحد الأقصى منالقوة والمرونة!؟
وأول ما ينبغي الإشارة إليه قبل الإجابة عن ذلكهو أن الآية الكريمة نصَّت على وهن بيت العنكبوت، لا على وهن الخيط، الذي نسج منه. فلم يقل سبحانه وتعالى:{إن أوهن الخيوط لخيط العنكبوت }؛ وإنما قال:﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ﴾، وهي إشارة دقيقة، لا تخفى إلا على الجاهلين من أولئك الحاقدين، الذين اتهموا القرآن الكريم بالخطأ، وطعنوا في إعجازه، حين زعموا زورًا وبهتانًا أن”العلم يقول عن خيوط العنكبوت: إنها قوية، والقرآن يقول: إنها ضعيفة؛ لأن القرآن، وكاتب القرآن لا يعرف الفولاذ، ولا يدرك طبيعة خيط العنكبوت “.﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾(التوبة:30).
وأنت إذا تأملت الآية الكريمة حق تأملها على ضوء ما تقدم، تبيَّن لك أن المعنى المراد منها: إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت رغم قوة ومتانة ومرونة خيوطه، التي نسج منها.. فالوهن الذي أخبر عنه القرآن الكريم ليس في خيط العنكبوت؛ وإنما هو في البيت، الذي نسج من ذلك الخيط.
قال الدكتور محمد الفارفي مقاله، الذي أشرنا إليه سابقًا:” والعجيب أن من هذه الخيوط( القوية ) تصنع بيوت العنكبوت( الضعيفة ) الواهية والواهنة. وإلى هذا يشير المولى عز وجل في قوله تعالى:﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾.
والمعني العام: أنه من يتوكل على غير الله, طالبًا المناصرة والمؤازرة, فإنه بذلك يختار، ويتخذ منهجًا واهيًا، وليس قويًّا؛ كما قد يتصور, فالعنكبوت مثلاً تنسج بيتها بنفسها, وتعتمد بالطبع على خيوطها القوية- كما أشرنا- وتتصور أنها بذلك قد صنعت بيتًا قويًّا؛ ولكنه في الحقيقة واهن وضعيف في الهواء. فكذلك هو الحال مع من يولي أمره لغير الله, ويتصور أن هؤلاء الأولياء بمجموعهم قد ينفعونه. فهذا المنهج واهن.
والعبرة والعظة والإعجاز في هذا التشبيه القرآني نتلمسه في ضوء ما توصل إليه العلماء, فبيت العنكبوت بخيوطه القوية, يسهل إطاحته؛ ولكن إذا استعملت تلك الخيوط العنكبوتية في ظروف أخرى, وبمنهج آخر, فإنها تكون نسيجًا قويًّا جدًّا, وشديدًا في متانته، ويصلح لصد الرصاص.
وللتوضيح, فالجرافيت والألماس, كلاهما من الكربون, وعلى الرغم من ذلك فلهما خواص فيزيائية وشكلية متضادة تمامًا. فالأول, أسود ولين ومعتم وضعيف، ويسهل كسره. أما الثاني فهو شفاف ونقي، ومن أصلد وأقوى المعادن. والأول يتحول للثاني تحت ظروف قاسية من الضغط والحرارة، وإذا تغيرت الظروف حوله.. فالعبرة بالمنهج والبيئة.. وسبحان الله“.
وقال تعالى:﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ﴾، ولم يقل:{ أضعف البيوت }؛ وذلك لأن الضعف هو من فعل الله تعالى؛ كما أن القوة كذلك. تقول: خلقه الله ضعيفًا، أو خلقه قويًا. ويكون في الجسد والرأي والعقل. قال تعالى:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾(الروم:54).وقال تعالى:﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾(النساء:28).
أما الوهن فهو من فعل المخلوق، وهو أن يفعل فعل الضعيف.تقول: وهن في الأمر يهن وهنًا، وهو واهن، إذا أخذ فيه أخذ الضعيف. والأمر موهون؛ ومنه قوله تعالى:﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾(آل عمران:139). أي: لا تفعلوا أفعال الضعفاء، وأنتم أقوياء على ما تطلبونه بتذليل الله إياه لكم.
ويدل على صحة ما ذكرنا أنه لا يقال: خلقه الله واهنًا؛ كما يقال: خلقه الله ضعيفًا. وقيل: الوهن: الضعف في العمل والأمر، وكذلك في العظم ونحوه؛ كما في قوله تعالى:﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾(مريم:4). ويجوز أن يقال: إن الوهن هو انكسار الحد والخوف ونحوه، والضعف نقصان القوة. ويدل عليه قول الله تعالى في وصف المؤمنين المجاهدين:﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾(آل عمران:146)، إشارة إلى نفي الحالتين عنهم في الجهاد. وقيل: الوهن هو ضعف من حيث الخَلْق، والخُلُق.
ويتلخص من ذلك كله: أن الوهن هو من فعل المخلوق، ويكون مادِّيَّا، ومعنويًّا. وهذا ما ينبغي أن يفهم من الوهن المنصوص عليه في الآية الكريمة.
أما وهن{ بيت العنكبوت }من الناحية المادية فلأنه مكون من مجموعة خيوط حريرية غاية في الدقة تتشابك مع بعضها البعض تاركة مسافاتٍ بيْنِيَّة كبيرة في أغلب الأحيان؛ ولذلك فهو لا يقي حرًّ, ولا بردًا, ولا يحدث ظلاً كافيًا, ولا يقي من مطر هاطل, ولا من رياح عاصفة, ولا من أخطار المهاجمين. ولهذا يغزل العنكبوت خيطًا من الحرير يُسمَّى: خيط الجذب، وخيطالحياة؛ وذلك لأنه يستعمله- غالبًا- في الهروب من الأعداء.فإذا أحسالعنكبوتبخطر، يهدد نسيجه، فإنه يهرب منالنسيج بوساطة خيط الجذب؛ ليختبئ بين الأعشاب، أو يبقى متعلقًا به في الهواء، حتىيزول الخطر، ثم يعود مرة أخرى إلى نسيجه عبر خيط الجذب.
ومن أخصِّ خصائص البيت وأوصافه أنه مأوى لصاحبه، يقيه من برد الشتاء، وحر الصيف، ويحميه من أذى الكائنات، التي هي أقوى منه. وهذا كله لا يتوفر في بيت العنكبوتعلى الرغم من الإعجاز في بنائه. ولا يخفى ذلك إلا على جاهل، ولا ينكره إلا مكابر، أو حاقد.
وأما وهنه من الناحية المعنوية فلأنه بيت محروم من معاني السكن والمودة والرحمة، التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد.ولهذا عبَّر القرآن الكريم عنه بالبيت، لا بالمسكن؛ وذلك خلافًا لبيت النمل، الذي عبَّر عنه بالمسكن؛ كما في قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(النمل:18).
وإنما سمِّيَ مسكنًا؛ لأنه سكن لصاحبه، وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله:﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾(النحل:80)، ونحو ذلك قوله تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(الروم:21).
وقد ثبت- كما تقدم- أن بيت العنكبوت لا يجير آويًا، ولا يريح ثاويًا؛ لأنه بيت لا طمأنينة فيه، لا لأصحابه، ولا لزواره؛ لأنه بيت لم يعَدَّ في الأصل للسكن؛ وإنما أُعدَِّ ليكون مصيدة، يقع في حبائله اللزجة كل من فكر بزيارته من الحشرات الطائرة المخدوعة.
جاء في الموسوعة العربية العالمية:” وتقبع بعض أنواعالعناكب غازلة النسيج الدائريفي وسط النسيج، مترقبةلفرائسها، بينما تلصق أنواع أخرىخيطًا إشاريًّاوسط النسيج. ويختبىءالعنكبوتفي عشه قرب النسيج، ممسكًا بالخيط الإشاري. وعندما تسقط حشرة في النسيج، يهتز الخيط الإشاري منبهًاالعنكبوت، الذي يندفع إلى خارج عشه بسرعة كبيرة، للإمساكبالحشرة. وتنسج تلك العناكب نسيجًا دائريًا كل ليلة، يستغرق بناؤه ما يقرب من ساعة، وتأكل النسيج القديم للمحافظة على الحرير. بينما تصلح أنواع أخرى من تلك العناكب، أو تغير أي جزء تالف من نسيجها “.
ومن العناكب ما يسمَّى بالعنكبوت الصيادة الرمادية، وهي من العناكب، التي تخرج ليلاً للصيد؛ كما تفعل الشَبَث والعقرب. أما الأنواع الأخرى من العناكب فهي لا تبرح مكانها، ولكنها تنتظر وتترقب؛ لكي يقع صيدها في شباكها، التي تنسجها، وتعيش بالقرب منها.

