الرئيسيةدخولالتسجيلالتسجيل

شاطر | 
 

 سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الوردة الحمراء





مُساهمةموضوع: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   12/11/2009, 12:47




{وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لاًّيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

قوله تعالى: {وَلاَ * تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لاِيْمَـٰنِكُمْ } في سبب نزولها اربعة أقوال.
أحدها: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنة شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه، ولا يكلمه وجعل يقول قد حلفت بالله فلا يحل لي إلا أن تبر يميني. فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
والثاني: أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فنزلت هذه الآية. قاله الربيع بن أنس.
والثالث: أنها نزلت في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح، قاله ابن جريج. والرابع: نزلت في أبي بكر حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن، حتى يسلم قاله المقاتلان ابن حيان، وابن سليمان.
قال الفراء: والمعنى: ولا تجعلوا الله معترضا لأيمانكم، وقال أبو عبيد: نصبا لأيمانكم، كأنه يعني انكم تعترضونه في كل شيء فتحلفون به، وفي معنى الآية ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناها: لا تحلفوا بالله أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس هذا قول ابن عباس، و مجاهد، وعطاء، وابن جبير، و إبراهيم، و الضحاك، وقتادة والسدي و مقاتل، و الفراء، و ابن قتيبة، و الزجاج في آخرين. والثاني: أن معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين، وتبروهم وتصلحوا بينهم بالكذب. روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس. والثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله، و إن كنتم بارين مصلحين فان كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة، عليه هذا قول ابن زيد.
{لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }
قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } قال الزجاج: اللغو في كلام العرب: ما أطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما لا يعتد به لغوا. وقال ابن فارس: اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعتد به من اولاد الإبل في الدية وغيرها لغوا، يقال منه: لغا يلغو، وتقول: لغي بالأمر إذا لهج به، وقيل إن اشتقاق اللغة منه أي يلهج صاحبها بها وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال.
أحدها: أن يحلف على الشىء يظن أنه كما حلف ثم يتبين له أنه بخلافه، والى هذا المعنى ذهب أبو هريرة، و ابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، و مجاهد، وقتادة، والسدي عن أشياخه. ومالك، و مقاتل.
والثاني: أنه لا والله وبلى والله من غير قصد لعقد اليمين، وهو قول عائشة، وطاووس، وعروة، والنخعي، والشافعي واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وكسب القلب عقدة، وقصده وهذان القولان منقولان عن الإمام أحمد. روى عنه ابنه عبد الله أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك، ولا كفارة. والرجل يحلف، ولا يعقد قلبه على شيء فلا كفارة.
والثالث: أنه يمين الرجل، وهو غضبان رواه طاووس عن ابن عباس.
والرابع: أنه حلف الرجل على معصية فليحنث، وليكفر، ولا إثم عليه، قاله سعيد بن جبير.
والخامس: أن يحلف الرجل على شيء ثم ينساه، قاله النخعي، وقول عائشة أصح الجميع قال حنبل: سئل أحمد عن اللغو فقال الرجل: يحلف فيقول لا والله، وبلى، والله، لا يريد عقد اليمين، فاذا عقد على اليمين لزمته الكفارة.
قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } قال مجاهد: أي: ما عقدت عليه قلوبكم، والحليم ذو الصفح الذي لا يستفزه غضب فيعجل، و يستخفه جهل جاهل مع قدرته على العقوبة. قال أبو سليمان الخطابي: ولا يستحق اسم الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة، إنما الحليم الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة، وقد أنعم بعض الشعراء أبياتا في هذا المعنى فقال:
لا يدرك المجد أقوام و إن كرموا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام

ويشتموا فترى الألوان مسفرة لا صفح ذل ولكن صفح أحلام

قال:
ويقال: حلم الرجل يحلم حلما يضم اللام في الماضي والمستقبل. وحلم في النوم، بفتح اللام، يحلم حلما اللام في المستقبل. والحاء في المصدر مضمومتان.
فصل
الأيمان على ضربين، ماض ومستقبل، فالماضي على ضربين: يمين محرمة وهي: اليمين الكاذبة، وهي أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل أو لقد فعلت، وما فعل ويمين مباحة، وهي أن يكون صادقا في قوله: ما فعلت أو لقد فعلت، والمستقبلة على خمسة اقسام. أحدها: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية مثل أن يحلف لأصلين الخمس، ولأصومن رمضان أو لاشربت الخمر. والثاني: عقدها معصية، والمقام عليها معصية وحلها طاعة، وهي عكس الاولى. والثالث: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها مكروه مثل أن يحلف ليفعلن النوافل من العبادات. والرابع: يمين عقدها مكروه، والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، وهي عكس التي قبلها. والخامس: يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، وحلها مباح مثل أن يحلف لادخلت بلدا فيه من يظلم الناس، ولا سلكت طريقا مخوفا ونحو ذلك.
{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
قوله تعالى: {لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا، فأبت أن تعطيه، حلف أن لا يقربها السنة، والسنتين، والثلاث فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل فلما كان الإسلام جعل الله ذلك اربعة أشهر، فأنزل الله، هذه الآية وقال سعيد بن المسيب كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يريد المراة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية. قال ابن قتيبة: يؤلون أي: يحلفون يقال: آليت من امرأتي، اولي إيلاء: إذا حلف لا يجامعها. والاسم: الألية. وقال الزجاج: يقال من الإيلاء: آليت أولى إيلاء، وألية، وألوة، وألوة، وإلوة، وهي بالكسر أقل اللغات، قال كثير:
قيل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت
وحكي ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: «من» بمعنى «في» أو «على» والتقدير: يحلفون على وطء نسائهم فحذف الوطء، وأقام النساء مقامه كقوله تعالى: {مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } آل عمران: 194. أي على ألسنة رسلك، وقيل في الكلام حذف تقيرده يؤلون يعتزلون من نسائهم، والتربص الانتظار، ولا يكون مؤليا إلا إذا حلف بالله أن لا يصيب زوجته أكثر من اربعة أشهر فان حلف على أربعة أشهر، فما دون ذلك لم يكم مؤليا، وهذا قول مالك، و أحمد والشافعي، وفاؤوا رجعوا، ومعناه: رجعوا إلى الجماع. قاله علي، و ابن عباس، وابن جبير، ومسروق والشعبي، و إذا كان للمؤلي عذر لايقدر معه على الجماع. فانه يقول متى قدرت جامعتها. فيكون ذلك من قوله فيئة؛ فمتى قدر فلم يفعل، أمر بالطلاق، فان لم يطلق طلق الحاكم عليه.
قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال علي و ابن عباس غفور لإثم اليمين.
{وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }
قوله تعالى: {وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } أي حققوه وفي عزم الطلاق قولان.
أحدهما: أنه إذا مضت الأربعة الأشهر استحق عليه أن يفيء، أو يطلق، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعائشة، وطاووس، و مجاهد، والحكم وابي صالح، وحكاه أبو صالح. عن اثني عشر رجلا من الصحابة، وهو قول مالك، و أحمد والشافعي.
والثاني: أنه لا يفيء حتى يمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك من غير أن يتكلم بطلاق، واختلف أرباب هذا القول فيما يلحقها من الطلاق على قولين. أحدهما: طلقة بائنة روي عن عثمان، وعلي، و ابن عمر، و زيد بن ثابت، وقبيصة بن ذؤيب، والثاني: طلقة رجعية، روي عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شبرمة.
قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فيه قولان. أحدهما: سميع لطلاقه عليم بنيته. والثاني: سميع ليمينه عليم بها.
وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلَـٰحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }
قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ } سبب نزولها أن المرأة كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها قالت انا حبلى، وليست حبلى لكي يراجعها، وإن كانت حبلى، وهي كارهة قالت لست بحبلى لكي لا يقدر على مراجعتها فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا. فنزل قوله تعالى: {ٱلْحَكِيمُ يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ } الطلاق: 1. ثم نزلت. {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } رواه أبو صالح عن ابن عباس.
فأما التفسير؛ فالطلاق: التخلية. قال ابن الأنباري: هي من قول العرب: أطلقت الناقة فطلقت: إذا كانت مشدودة فأزلت الشد عنها، وخليتها، فشبه ما يقع للمرأة بذلك لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب كالشد لها، فلما طلقها قطع الأسباب، ويقال طلقت المرأة، وطلقت وقال غيره: الطلاق: من أطلقت الشى من يدي، إلا انهم لكثرة استعمالهم اللفظتين فرقوا بنهما، ليكون التطليق مقصورا في الزوجات وأما القروء فيراد بها الأطهار، ويراد بها الحيض يقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، وأقرأت: إذا طهرت. قال النبي: صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: تقعد أيام أقرائها يريد أيام حيضها. وقال الأعشى:
وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها غزيم عزائكا

مورثة مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا

أراد بالقروء: الأطهار، لأنه لما خرج عن نسائه أضاع أطهارهن. واختلف أهل اللغة في أصل القروء على قولين. أحدهما: أن أصله الوقت يقال: رجع فلان لقرئه أي:
لوقته الذي كان يرجع فيه، ورجع لقارئه أيضا قال الهذلي:
كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح

فالحيض يأتي لوقت، والطهر يأتي لوقت، هذا قول ابن قتيبة. والثاني: أن أصله الجمع، وقولهم قرأت القرآن أي: لفظت به مجموعا، والقرء اجتماع: الدم في البدن، وذلك إنما يكون في الطهر، وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم، وكلاهما حسن. هذا قول الزجاج.
واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين. أحدهما: أنها الحيض روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، و أبي موسى، وعبادة بن الصامت، و أبي الدرداء، وعكرمة، و الضحاك والسدي، و سفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، و أبي حنيفة، و أصحابه، و أحمد بن حنبل رضي الله عنه. فانه قال قد كنت أقول: القروء: الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. والثاني: أنها الأطهار. روي عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والزهري وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأومأ إليه أحمد.
ولفظ قوله تعالى {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } لفظ الخبر ومعناه: الأمر كقوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } وقد يأتي لفظ الأمر في معنى: الخبر كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } مريم: 75. والمراد بالمطلقات في هذه الآية، البالغات، المدخول بهن غير الحوامل.
قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الحمل، قاله عمر، و ابن عباس، و مجاهد، وقتادة، و مقاتل، و ابن قتيبة، و الزجاج. والثاني: أنه الحيض، قاله عكرمة، وعطية، والنخعي، والزهري، والثالث: الحمل والحيض قاله ابن عمر وابن زيد.
قوله تعالى: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } خرج مخرج الوعيد لهن والتوكيد قال الزجاج: وهو كما تقول للرجل إن كنت مؤمنا فلا تظلم. وفي سبب وعيدهم بذلك قولان. احدهما: أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة، قاله ابن عباس. والثاني: لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، قاله قتادة. وقيل كانت المرأة إذا رغبت في زوجها قالت: إني حائض، وقد طهرت، و إذا زهدت فيه كتمت حيضها حتى تغتسل فتفوته.
والبعولة: الأزواج، و ذلك إشارة إلى العدة، قاله مجاهد، والنخعي، وقتادة في آخرين. وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم اوله، ولا يوجب تخصيصه. لأن قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ }. عام في المبتوتات والرجعيات، وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } خاص في الرجعيات.
قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـٰحاً } قيل: إن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة، وتكرها فاذا قارب انقضاء عدتها راجعها. ثم تركها مدة ثم طلقها فنهوا عن ذلك، وظاهر الآية يقتضي أنه إنما يملك الرجعة، على غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها غير أنه قد دل قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } على صحة الرجعة، وإن قصد الضرار لأن الرجعة لو لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ضالما بفعلها.
قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وهو: المعاشرة الحسنة والصحبة الجميلة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن حق المرأة على الزوج فقال: أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت. وقال ابن عباس إني احب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي، لهذه الآية.
قوله تعالى: {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } قال ابن عباس بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقال أبو مالك: يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وقال الزجاج: تنال منه من اللذة كما ينال منها. وله الفضل بنفقته. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وقالت ابنة سعيد بن المسيب: ما كنا نكلم ازواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم.
فصل
اختلف العلماء في هذه الآية هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا؟ على قولين. أحدهما: أنها تدخل في ذلك. واختلف هؤلاء في المنسوخ منها. فقال قوم: المنسوخ منها قوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } وقالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، فنسخ حكم الحامل بقوله تعالى: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } الطلاق: 4. وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها} الطلاق: 1. وهذا مروي عن ابن عباس، و الضحاك في آخرين. وقال قوم: أولها محكم والمنسوخ قوله تعالى:
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } قالوا: كان الرجل إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها، سواء كان الطلاق ثلاثا أو دون ذلك فنسخ، بقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } والقول الثاني: أن الآية كلها محكمة، فأولها عام، والآيات الواردة في العدد، خصت ذلك من العموم، وليس بنسخ. و اما ما قيل في الارتجاع فقد ذكرنا أن معنى قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ } أي في العدة قبل انقضاءالقروءالثلاثة، وهذا القول هو الصحيح.
{ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }
قوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } سبب نزولها أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها ليس لذلك شيء ينتهي إليه، فقال رجل من الأنصار لامرأته: والله لا أؤيك الي أبدا ولا أدعك تحلين مني. فقالت: كيف ذلك؟ قال: أطلقك، فاذا دنا أجلك، راجعتك، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه، ذلك فنزلت هذه الآية، فاستقبلها الناس جديدا من كان طلق، ومن لم يكن طلق. رواه هشام بن عروة عن أبيه.
فأما التفسير، ففي قوله تعالى: {ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ } قولان. أحدهما: أنه بيان لسنة الطلاق، و أن يوقع في كل قرء طلقة، قاله ابن عباس و مجاهد. والثاني: أنه بيان للطلاق الذي يملك معه الرجعة، قاله عروة وقتادة، و ابن قتيبة، و الزجاج في آخرين.
قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } معناه: فالواجب عليكم إمساك بمعروف، وهو ما يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة. وقال عطاء، و مجاهد، و الضحاك، والسدي المراد بقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } الرجعة بعد الثانية، وفي قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } قولان. أحدهما: أن المراد به الطلقة الثالثة، قاله عطاء، و مجاهد، و مقاتل. والثاني: أنه الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها، قاله الضحاك، والسدي، قال: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء: وهذا هو الصحيح، أنه قال عقيب الآية: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } والمراد بهذه الطلقة: الثالثة بلا شك، فيجب إذن أن يحمل قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } على تركها حتى تنقضي عدتها لأنه إن حمل على الثالثة وجب أن يحمل قوله تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا } على رابعة وهذا لا يجوز.
فصل
الطلاف على أربعة أضرب:
واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. فالواجب: طلاق المؤلي بعد التربص، إذا لم يفيء، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين، إذا رأيا الفرقة. والمندوب: إذا لم يتفقا، واشتد الشقاق بينهما، ليتخلصا من الإثم. والمحظور: في الحيض، إذا كانت مدخولا بها، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر. والمكروه: إذا كانت حالهما مستقيمة، وكل واحد منهما قيم بحق صاحبه.
قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، أتت زوجته إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين، ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته». قالت: نعم. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم، أن يأخذها ولا يزداد. رواه عكرمة عن ابن عباس واختلفوا في اسم زوجته، فقال ابن عباس: جميلة. ونسبها يحيى ابن أبي كثير، فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكناها مقاتل، فقال: أم حبيبة بنت عبد الله بن أبي. وقال آخرون: إنما هي جميلة أخت عبد الله بن أبي. وروى يحيى بن سعيد عن عمرة روايتين. إحداهما: أنها حبيبة بنت سهل. والثانية: سهلة بنت حبيب.
وهذا الخلع اول خلع كان في الإسلام. والخوف في الآية بمعنى: العلم: قال أبو عبيد: معنى قوله: {إِلا * يَخَافَا }: يوقنا. والحدود قد سبق بيان معناها.
ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه، وخاف الزوج أن يعتدي عليها لا متناعها عن طاعته؛ جاز له أن يأخذ منها الفدية، إذا طلبت ذلك. هذا على قراءة الجمهور في فتح «ياء» {يَخَافَا } وقرأ الحسن، و مجاهد، وابو جعفر، وحمزة والأعمش {يَخَافَا } بضم الياء.
قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ } قال قتادة: هو خطاب للولاة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } على المرأة {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } وعلى الزوج فيما أخذ، لأنه ثمن حقه. وقال الفراء: يجوز أن يراد الزوج وحده، وإن كانا قد ذكرا جميعا كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } الرحمن: 22. و إنما يخرج من أحدهما. وقوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا } الكهف: 61 و إنما نسي أحدهما.
فصل
وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟ فيه قولان. أحدهما: يجوز وبه، قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، و ابن عباس، والحسن، و مجاهد، و النخعي، و الضحاك ومالك، والشافعي، والثاني: لا يجوز، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، وطاووس وابن جبير، والزهري، واحمد بن حنبل. وقد نقل عن علي والحسن أيضا. وهل يجوز الخلع دون السلطان؟ قال عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وطاووس، وشريح، والزهري يجوز وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن، وابن سيرين، وقتادة: لا يجوز إلا عند السلطان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء





مُساهمةموضوع: رد: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   12/11/2009, 12:49

تفسير سورة البقرة من 229 الى 237

بسم الله الرحمن الرحيم


{فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }

قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النضيري، وقي زوجها رفاعة بن عبد الرحمن القرظي. وقال غير مقاتل: إنها عائشة بن عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، ثم طلقها، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أتريدين: أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك.
قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا } يعني: الزوج المطلق مرتين. قال ابن عباس، و مجاهد وقتادة هي الطلقة الثالثة. واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية بعد الكلام في حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق.
قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا } يعني:
الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } يعني: المرأة والزوج الأول {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } قال طاووس: ما فرض الله على كل واحد منهما من حسن العشرة والصحبة.
قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيّنُهَا } قراءة الجمهور {يُبَيّنُهَا } بالياء. وقرأ الحسن، و مجاهد، والمفضل عن عاصم بالنون {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال الزجاج: يعلمون أن أمر الله حق.
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }
قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } قال ابن عباس: كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها. قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها يفعل ذلك، يضارها ويعضلها بذلك، فنزلت هذه الآية. والأجل هاهنا: زمان العدة ومعنى البلوغ هاهنا: مقاربة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه. يقال بلغت المدينة: إذا قاربتها، وبلغتها: إذا دخلتها. و إنما حمل العلماء هذا البلوغ على المقاربة، لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة.
قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة.
قوله تعالى: و{سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وهو تركها حتى تنقضي عدتها. والمعروف في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق والمعروف في التسريح: أن لا يقصد إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة، وهو معنى قوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } قاله الحسن، و مجاهد، وقتادة في آخرين. وقال الضحاك: إنما كنوا يضارون المرأة لتفتدي {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } الاعتداء {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بارتكاب الإثم.
قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا } فيه قولان. أحدهما: أنه الرجل يطلق أو يراجع أو يعتق ويقول كنت لاعبا، روي عن عمر، و أبي الدرداء والحسن. والثاني: أنه المضار بزوجته في تطويل عدتها بالمراجعة والطلاق، قاله مسروق، و مقاتل. {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } قال ابن عباس: احفظوا منته عليكم بالإسلام، قال: والكتاب القرآن والحكمة الفقه.
{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الضرار {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء } به وبغيره {عَلِيمٌ }
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاٌّخِرِ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }
قوله تعالى: {عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } في سبب نزولها قولان. أحدهما: ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج اخته من رجل من المسلمين، فكانت عنده ما كانت، فطلقها تطليقة ثم تركها ومضت العدة، فكانت أحق بنفسها فخطبها مع الخطاب، فرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى معقل فغضب معقل وقال: أكرمتك بها فطلقتها؟ لا واللهٰ لا ترجع إليك آخر ما عليك. قال الحسن: فعلم الله عز وجل حاجة الرجل إلى امرأته وحاجة المرأة إلى بعلها. فنزلت هذه الآية. فسمعها معقل فقال: سمعا لربي وطاعة فدعا زوجها فقال: أزوجك وأكرمك. ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي أنه سمى هذه المرأة فقال: جميلة بنت يسار. والثاني: أن جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها ثم رجع يريد رجعتها، فأبى جابر وقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها قد راضته، فنزلت هذه الآية قال السدي.
فأما بلوغ الأجل في هذه الآية، فهو انقضاء العدة، بخلاف التي قبلها قال الشافعي رضي الله عنه، دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين.
قوله تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاب للأولياء. قال ابن عباس، وابن جبير، و ابن قتيبة في آخرين. معناه: لا تحبسوهن والعرب تقول تقول للشدائد: معضلات وداء عضال قد أعيا قال أوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمك إن ولي ويرضيك مقبلا

ولكنه النائي إذا كنت آمنا[ع
وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا

وقالت ليلى الأخيلية:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها

قال الزجاج:
وأصل العضل، من قولهم: عضلت الدجاجة، فهي معضل: إذا احتبس بيضها ونشب فلم يخرج، وعضلت الناقة أيضا: إذا احتبس ولدها في بطنها.
قوله تعالى: {إِذَا تَرٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ } قال السدي، و ابن قتيبة، معناه: إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح، قال الشافعي: وهذه الآية أبين آية في أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي.
قوله تعالى: {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ } قال مقاتل: الإشارة إلى نهي الولي عن المنع. قال الزجاج: إنما قال «ذلك» ولم يقال «ذلكم» وهو يخاطب جماعة، لأن لفظ الجماعة لفظ الواحد، والمعنى: ذلك أيها القبيل.
قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ } يعني رد النساء إلى أزواجهن، أفضل من التفرقة بينهم و {وَأَطْهَرُ } أي: أنقى لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك نوع محبة، فيجتمعان على غير وجه صلاح.
قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فيه قولان. أحدهما: أن معناه يعلم ود كل واحد منهما لصحابه، قاله ابن عباس، و الضحاك. والثاني: يعلم مصالحكم عاجلا وآجلا، قاله الزجاج في آخرين.
{وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
قوله تعالى: {وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كقوله تعالى: {وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } البقرة: 228 وقال القاضي أبو يعلى: و هذا الأمر انصرف إلى الآباء لأن عليهم الاسترضاع، لا إلى الوالدات بدليل قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } وقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ } النساء: 24 فلو كن متحتما على الوالدة لم تستحق الأجرة، وهل هذا عام في جميع الوالدات، فيه قولان. أحدهما: أنه خاص في المطلقات، قاله سعيد بن جبير، و مجاهد، و الضحاك، والسدي، و مقاتل في آخرين. والثاني: أنه عام في الزوجات والمطلقات، ولهذا نقول: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها سواء كانت مع الزوج، أو مطلقة قاله القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي في آخرين. والحول: السنة وفي قوله: {كَامِلَيْنِ } قولان. أحدهما: أنه دخل للتوكيد كقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } البقرة: 196. والثاني: أنه لما جاز أن يقول: حولين ويريد أقل منهما كما قال: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } البقرة: 203. ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض آخر، وتقول العرب لم أر فلانا منذ يومين، و إنما يريدون يوما وبعض آخر قال: كاملين لتبيين أنه لا يجوز أن ينقص منهما، وهذا قول الزجاج والفراء.
فصل
واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فقال بعضهم: هو محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق به أحكام، منها أنه كمال الرضاع، ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدة الحولين، والجبره الحاكم على ذلك، ومنها أنه يثتب تحريم الرضاع في مدة الحولين، ولا يثبت فيما زاد، ونقل عن قتادة، والربيع بن أنس في آخرين. أنه منسوخ بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا } قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا قول بعيد لأن الله تعالى قال في اولها: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } فلما قال في الثاني: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا } خير يين الإرادتين، وذلك لا يعاض المدة المقدرة في التمام.
قوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } أي هذا التقدير بالحولين لمريدي إتمام الرضاعة. وقرأ مجاهد بتاءين «أن تتم الرضاعة» وبالرفع وهي رواية الحلبي عن عبد الوارث، وقد نبه ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين، وأكثر القراء على فتح راء «الرضاعة» وقرأ طلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، و أبو رجاء، بكسرها قال الزجاج: يقال: الرضاعة بفتح الراء وكسرها، والفتح اكثر ويقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح ها هنا لا غير.
قوله تعالى: {وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ } يعني: الأب {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } يعني: {المرضعات} وفي قوله: {وَٱلاْقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ } دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه، ولا الموسر النزر الطفيف. وفي الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، إذ لا يتوصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن، إذ هو معتبر بالعادة.
قوله تعالى: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } أي: إلا ما تطيقه. {لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، و أبان عن عاصم {لاَ تُضَارَّ } برفع الراء، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو علي: من رفع فلأجل المرفوع قبله، وهو لا تكلف فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ، ومن نصب جعله أمرا، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف قال ابن قتيبة معناه لا تضارر، فأدغمت الراء في الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملن المطقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده، وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ضرارا بأبيه، ولا يضار الوالد بولده فيمنع امه أن ترضعه ليحزنها بذلك. وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي في آخرين. إذا رضيت بما يرضى به غيرها فهي أحق به، وقرأ أبو جعفر لا تضار بتخفيفها وإسكانها.
قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلْوَارِثِ } فيه أربعة أقوال. أحدها: أنه وارث المولود، وهو قوال عطاء، و مجاهد، و سعيد بن جبير، وابن أبي ليلى، وقتادة، والسدي، والحسن بن صالح، و مقاتل في آخرين. واختلف أرباب هذا القول. فقال بعضهم: هو وارث المولود من عصبته كائنا من كان، وهذا مروي عن عمر، وعطاء، والحسن، و مجاهد، و إبراهيم، وسفيان. وقال بعضهم: هو وارث المولود على الإطلاق من الرجال والنساء، روي عن ابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن بن صالح، واسحاق، و أحمد بن حنبل. وقال آخرون: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، روي عن أبي حنيفة، وابي يوسف، ومحمد. والقول الثاني: أن المراد بالوارث هاهنا: وارث الوالد روي عن الحسن، والسدي، والثالث: أن المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر، روي عن سفيان. والرابع: أنه أريد بالوارث الصبي نفسه، والنفقة عليه فان لم يملك شيئا فعلي عصبته، قاله الضحاك، وقبيصة بن ذؤيب، قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا القول لا ينافي قول من قال المراد بالوارث وارث الصبي. لأن النفقة تجب للموروث على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه، وفي قوله تعالى: {مِثْلُ ذٰلِكَ } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي عن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، و مجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ذؤيب، والسدي، واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار، روي عن ابن عباس، والشعبي، والزهري، واختاره الزجاج. والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير، و مجاهد، و مقاتل، وابي سليمان الدمشقي، واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ما قبله. وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة و أن لا يضار فيجب أن يكون قوله: {مِثْلُ ذٰلِكَ } مشيرا إلى جميع ما على المولود له.
قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ } الفصال: الفطام. قال ابن قتيبة: يقال: فصلت الصبي أمه: إذا فطمته. ومنه قيل للحوار إذا قطع عن الرضاع: فصيل، لأنه فصل عن امه، وأصل الفصل: التفريق. قال مجاهد: التشاور فيما دون الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى، فليس لها، و إن أراد هو، ولم ترد، فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور، يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما و إلى صبيهما.
قوله تعالى: {عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } قال الزجاج:
أي: لأولادكم قال مقاتل: إذا لم ترض الأم بما يرضى به غيرها فلا حرج على الأب أن سترضع لولده.
وفي قوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ } قولان. أحدهما: إذا سلمتم ايها الآباء إلى أمهات الأولاد أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله سعيد بن جبير، و مقاتل، وقرأ ابن كثير {مَّا ءاتَيْتُم } بالقصر قال أبو علي: وجهه أن يقدر فيه ما أتيتم نقده أو سوقه فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فكأن التقدير: ما آتيتموه ثم حذف الضمير من الصلة كما تقول: أتيت جميلا أي فعلته.
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىۤ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }
قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } أي: يقبضون بالموت. وقرأ المفضل عن عاصم «يتوفون» بفتح الياء في الموضعين قال ابن قتيبة: هو من استيفاء العدد واستيفاء الشيء أن نستقصيه كله يقال: توفيته واستوفيته، كما يقاله: تيقنت الخير واستنيقنته هذا الأصل ثم قيل للموت وفاة وتوف و{يَتَرَبَّصْنَ } ينتظرن وقال الفراء و إنما قال: {وَعَشْرًا } ولم يقل عشرة لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي، و الأيام غلبو على الليالي، حتى انهم ليقولون صمنا عشرا من شهر رمضان، لكثرة تفليبهم الليالي على الايام، فاذا أظهروا مع العدد تفسيره كانت الإناث بغير هاء، والذكور بالهاءكقوله تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً } الحاقة: 7. فان قيل ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟ فالجواب: أنه يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه قاله سعيد بن المسيب، و أبوالعالية، ويشهد له الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن خلق احدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نظفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضفة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح.
فصل
وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ } البقرة: 240 لأن تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة، وسنذكر ما يتعلق بها هنالك إن شاء الله، فأما التي نحن في تفسيرها، فقد روي عن ابن عباس أنه قال نسختها:
{وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } الطلاف: 4 والصحيح أنها عامة دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشرا سواء كانت حاملا، أو غير حامل غير أن قوله تعالى: {وَأُوْلَـٰتُ ٱلاْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } خص أولات الحمل وهي خاصة أيضا في الحرائر، فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص.
قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يعني انقضاء العدة.
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىۤ أَنفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىۤ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }
قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فيه قولان. أحدهما: أن معناه فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك. والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن، قال أبو سليمان الدمشقي، وهو خطاب لأوليائهن.
قوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } فيه قولان. أحدهما: أنه التزين والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، و مقاتل، والثاني: أنه النكاح، قاله الزهري، والسدي، والخبير من أسماء الله تعالى: ومعناه: العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته، والخبير: في صفة المخلوقين إنما يتسعمل في نوع من العلم وهو: الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببدائه العقول. وعلم الله تعالى سواء فيما غمض ولطف وفيما تجلى وظهر.
قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِسَاء } هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدة والتعريض الإيماء، والتلويح من غير كشف فهو إشارة بالكلام إلى ماليس له في الكلام. ذكر والخطبة بكسر الخاء، طلب النكاح، والخطبة بضم الخاء مثل الرسالة التي لها اول وآخر، قال ابن عباس: التعريض أن يقول إني أريد أن أتزوج. وقال مجاهد: ان يقول إنك لجميلة، و إنك لحسنة، وإنك لإلى خير.
قوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } قال الفراء فيه لغتان، كننت الشيء، و أكننته. وقال ثعلب: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك، وكنتته إذا سترته بشيء: وقال ابن قتيبة: أكننت الشيء: إذا سترته، ومنه هذه الآية وكننته إذا صنته ومنه قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } الصافات: 49. قال بعضهم يجعل كننته وأكننته بمعنى.
قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } قال مجاهد ذكره إياها في نفسه.
قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } فيه أربعة أقوال أحدها أن المراد بالسر ها هنا النكاح قاله ابن عباس وأنشد بيت امرىء القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي

وفي رواية: يشهد اللهو قال الفراء: ونرى أنه مما كنى الله عنه، كقوله تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن ٱلْغَائِطِ } [النساء: 43]. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: الإفضاء بالنكاح المحرم وأنشد:
ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع

قال ابن قتيبة استعير السر للنكاح لأن النكاح يكون سرا فالمعنى: لا تواعدوهن بالتزويج، وهن في العدة تصريحا{إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } لا تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا. والثاني: أن المواعدة سرا: أن يقول لها: إني لك محب، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن المراد بالسر الزنى، قاله الحسن، وجابر بن زيد، و أبو مجلز، و إبراهيم، و قتادة، و الضحاك. والرابع: أن المعنى: لا تنكحوهن في عدتهن سرا، فاذا حلت أظهرتم ذلك، قاله ابن زيد. وفي القول المعروف قولان. أحدهما: أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطا، والقاسم بن محمد، والشعبي، و مجاهد، و إبراهيم، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة.
قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ } قال الزجاج: معناه: لا تعزموا على عقدة النكاح، وحذفت على استخفافا كما قالوا: ضرب زيد الظهر، والبطن معناه: على الظهر والبطن {حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ } أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله. قال: ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الفرض كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } البقرة: 183. فيكون المعنى حتى يبلغ الفرض أجله، قال ابن عباس، و مجاهد، والشعبي، وقتادة، والسدي بلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة.
قوله تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } قال ابن عباس: من الوفاء فاحذروه أن تخالفوه في أمره، والحليم قد سبق بيانه.
{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }
قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } قرأ ابن كثير ونافع، وعاصم، وابن عامر، و أبو عمرو، «تمسوهن» بغير الف حيث كان وبفتح التاء وقرأ حمزة والكسائي وخلف تماسوهن بألف وضم التاء في الموضعين هنا وفي الأحزاب ثالث قال أبو علي: وقد يراد بكل واحد من «فاعل» و«فعل» ما يراد بالآخر نقول طارقت النعل، وعاقبت اللص قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، تزوج امرأة من بني حنيفة، ولم يسم لها مهرا، فطلقها قبل أن يسمها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم {هَلُ لَهُم بِشَىْء } قال: لا. قال: {متعها ولو بقلنسوتك} ومعنى الآية: ما لم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون «أو» بمعنى الواو كقوله تعالى: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } الدهر: 24.
والمس: النكاح، والفريضة: الصداق، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح بغير تسمة مهر«ومتعوهن» أي: اعطوهن ما يتمتعن به من اموالكم على قدر أحوالكم في الغنى والفقر. والمتاع: اسم لما ينتفع به فذلك معنى قوله تعالى: {عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدْرُهُ } وقرأ ابن كثير، ونافع، و أبو عمرو، «قدره» باسكان الدال في الحرفين وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي بتحريك الحرفين وعن عاصم: كالقرائتين، وهما لغتان.
فصل
وهل هذه المتعة واجبة، أم مستحبة؟ فيه قلان. أحدهما: واجبة واختلف أرباب هذا القول، لأي المطلقات تجب على ثلاثة اقوال. أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة، روي عن علي، والحسن، و أبوالعالية، والزهري. والثاني: انها تجب لكل مطلقة إلا المطقلة التي فرض لها صداقا، ولم يمسها فإنه يجب لها نصف ما فرض، روي عن ابن عمر، والقاسم ابن محمد، وشريح، و إبراهيم. والثالث: أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا. فان دخل بها فلا متعة، ولها مهر المثل، روي عن الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة و أحمد بن حنبل.
والثاني: أن المتعة مستحبة، ولا تجب على احد سواء، سمي للمرأة أو لم يسم، دخل بها، أو لم يدخل، وهو قول مالك، والليث بن سعد، والحكم، وابن أبي ليلى. واختلف العلماء في مقدار المتعة. فنقل عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، أعلاها: خادم وأدناها: كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، وري عن حماد وأبي حنيفة أنه: قدر نصف صداق مثلها وعن الشافعي، و أحمد، أنه قدر يساره وإعساره، فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم، ونقل عن أحمد المتعة بقدر: ما تجزيء فيه الصلاة من الكسوة، وهو درع وخمار وقواه تعالى: {مَتَـٰعاً بِٱلْمَعْرُوفِ } أي بقدر الإمكان والحق الواجب وذكر المحسنين والمنفقين ضرب من التأكيد.
{وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَّلاۤ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
قوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } أي: قبل الجماع {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ } أي أوجبتم لهن شيئا التزمتم به وهو المهر {إَّلا أَن يَعْفُونَ } يعني: النساء وعفو المرأة: ترك حقها من الصداق. الوفي: الذي بيده عقدة النكاح ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه الزوج، وهو قول علي، و ابن عباس، وجبير بن مطعم، وابن المسيب، وابن جبير و مجاهد، وشريح، وجابر بن زيد، و الضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وابن شبرمة، والشافعي، و أحمد رضي الله عنهم في آخرين.
والثاني: أنه الولي، روي عن ابن عباس، والحسن، وعلقمة، و طاووس، والشعبي، وابراهيم في آخرين.
والثالث: أنه أبو البكر روي عن ابن عباس، والزهري، والسدي في آخرين. فعلى القول الأول عفو الزوج أن يكمل لها الصداق، وعلى الثاني عفو الولي: ترك حقها إذا أبت، روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء، وعلى الثالث: يكون قوله: {إَّلا أَن يَعْفُونَ } يختص بالثيبات وقوله: {أَوْ يَعْفُوَاْ } يختص أبا البكر قاله الزهري. والأول: أصح لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي فصارت بيد الزوج، والعفو: إنما يطلق على ملك الانسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك و لأنه قال: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره.
قوله تعالى: {ٱلنّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } فيه قولان. أحدهما: أنه خطاب للزوجين جميعا، روي عن ابن عباس، و مقاتل، والثاني: أنه خطاب للزوج وحده قاله الشعبي، وكان يقرأ وأن يعفو بالياء.
قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو إتمام الرجل الصداق، وترك المرأة شطرها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أمواج الصمت





مُساهمةموضوع: رد: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   12/11/2009, 14:05

جزاك المولى خير الجزاء

وتقبلي مروري وشكري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اروى





مُساهمةموضوع: رد: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   12/11/2009, 16:12

جزاك الله خيرا

جعله الله في موازين حسناتك

تقبلي مروري مع خالص ودي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ريم





مُساهمةموضوع: رد: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   14/11/2009, 18:03

يعطيكي العافيه طرح رائع

جزاكي الله خير

شكرا لكي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة الامل





مُساهمةموضوع: رد: سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129   15/11/2009, 22:23

جزاك الله خيرا على طرحك الرائع

جعله الله في موازين
حسناتك

تقبلي مروري مع خالص ودي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سير سورة البقرة من ايه 123 الى آية 129
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نسمة الحياة :: القســم الاسـلامى :: *القـــــــران والعلـــــم*-
انتقل الى: