الرئيسيةدخولالتسجيلالتسجيل

شاطر | 
 

 التوكل وبذل السبب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
لؤلؤة البحر الاحمر





مُساهمةموضوع: التوكل وبذل السبب   15/4/2008, 04:29

لقد أراد الله من عباده حين كلفهم بما كلفهم به, أن يخلصوا له العبادة بجميع الجوارح, وبما أن القلب ملك الجوارح, فقد كلف بعبادات كثيرة, يسميها بعض العلماء أعمال القلوب, ويسميها البعض الآخر أعمال الباطن, في مقابلة أعمال الظاهر التي هي أعمال الجوارح الأخرى.

ولعظم هذه الجارحة, علق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الفساد والصلاح عليها, فقال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب".

ولعظمها أيضاً كان تدخلها في كل الأعمال ضروريا لقبولها أو ردها, فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات", فأي عمل لم يتدخل القلب فيه بنية صالحة, فهو عمل مردود, وإن قامت به الجوارح الأخرى كلها متظافرةً, كما أن النية الفاسدة من هذه الجارحة تفسد العمل وتبطله.

ومن عظم هذه المضغة, جعل الله اللسان خادما لها, ومعبرا عنها, ودليلا عليها, فاللسان مع عظمه إنما هو خادم للقلب, متصرف بأمره, متقلب بإرادته...

وأعمال هذه المضغة الصغيرة, ليست ظاهرة يمكن أن نراها, وهذا سر من أسرار عظمتها, لأن الظاهر قد يشوبه الرياء, وقد يسهل القيام به أمام الناس, أما عمل القلب فلا يطلع عليه إلا أنت؛ لهذا تفاوت الناس في المراتب, واختلفوا في الدرجات في العمل الواحد يعملونه, فتراهم يصلون جنبا إلى جنب, وهذا في أعلى عليين, وذاك في أسفل سافلين, هذا مخلص عابد, وذاك مراءٍ منافق.

أسوق هذه المقدمة بين يديك لأعرج على أساس الموضوع, ألا وهو التوكل, تلك العبادة الخفية التي مدح الله بها عباده المؤمنين حيث قال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} إلى أن قال: {أولائك هم المؤمنون حقا} الأنفال2-3, وقال تعالى آمراً نبيه بالتوكل عليه في أمر الدعوة: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} النمل79, وقال على لسان أنبيائه: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا} إبراهيم12, إلى غيرها من الآيات التي عالجت موضوع التوكل على الله في الدعوة وفي الثبات على الدين.

وهذا مستوىً عال من التوكل...

وهناك مستوىً آخر من التوكل, تحدثت عنه آيات أخر. قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب, ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيئا قدرا} الطلاق2-3, وتحدث عنه رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا"[1].

لقد أردت أن أحصر الكلام في هذا النوع من التوكل, ألا وهو التوكل على الله في الرزق والمعاش, وأترك الحديث عن التوكل في أمور الدعوة, لأن كثيراً من الناس اليوم أصبح هم الرزق يُؤرّقهم, ويُسهر أعينهم, بل أصبح شغلهم الشاغل, وفتنتهم الكبرى, ولو قلت لأحدهم محاولا تخفيف همه: إن الرزق بيد الله, لقال لك: "نعم لكن لا بد من الأسباب" فيبقى قلبه معلّقا بهذا السبب قلقاً مضطرباً, يفرح به, وينزعج لفقده, ويداهن من أجله, ويذل حتى لا ينتزع منه؛ لذا فإن توضيح هذه العلاقة بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل من الأمور المهمة التي قد تخفى على كثير من الناس...

ولنتكلم أولا في معنى التوكل:

قال أحد العلماء: "التوكل أن لا يخطر بقلبك نافع ولا ضار غيره, وأن تستسلم لكل حال يرد عليك, ولا يضطرب قلبك منه" وقال: "التوكل قطع الطمع عن الخلق وترك طلب الحيلة منهم".

وسئل الحسن البصري عن التوكل فقال: "الرضا عن الله عز وجل"[2]

هذه كلمات مضيئة, لكن الوصول إلى إدراك كنهها لا بد له من مقدمات, فلنتكلم إذن عن هذا الإحساس الذي نعرفه من أنفسنا, ألا وهو التعلق بالسبب, بحيث يصبح القلب على وجل دائم وقلق مستمر من أن يحدث لهذا السبب شيء, فما إن يحس بأن هذا السبب سينقطع, حتى يخاف ويرتعد ويرتجف, ويهاب من أن ينقطع الرزق مع انقطاع السبب, بل قد يتجاوز الأمر إلى أن هذا القلب يذل ويخضع لصاحب السبب, وقد يتجاوزه إلى أن يقع صاحبه في معصية الله من كذب أو غش أو حلف أو شهادة زور, حتى يبقى محافظا على ذلك السبب؛ وهذا هو الخيط الدقيق الذي يفصل بين المتوكل على الله والمتعلق بالأسباب, فإن وجدت من قلبك اضطرابا, ومن نفسك قلقا, وضاقت عليك الدنيا, وخفت الفقر, فاعلم أن توكلك على الله فيه ضعف شديد.

المتوكل يأخذ بالسبب, يغدو ويروح, يسعى ويجد, متمثلاً قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير, احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز, وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا, ولكن قل قدر الله وما شاء فعل, فإن لو تفتح عمل الشيطان"[3], لكنه راض بكل ما يأتيه, ضامن أن الله هو المتكفل برزقه, وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

إن قلب المتوكل متعلق بالله ناظر إليه معتمد عليه, يعرف أن الذي ساق هذا السبب وأعانه عليه, إنما ساقه له لرزق أراد أن يصيره إليه, ولن يعجز مسبب السبب الأول في أن يمده بأسباب أخرى, ويفتح عليه من الأبواب ما لم يكن يحتسب, مستحضرا في نفسه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها"[4], يعلم أن سعيه ليس إلا سببا هو في حد ذاته مفتقر إلى أن يسوقه الله إليه ويمكّنه منه, فلا حيلة له إلى السبب إلا بتوفيق المسبب, قد تيقن أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله, قد اخترق بنظره السبب إلى مسببه, فلا يلتفت إلى السبب البتة, بل يعلق نظر قلبه إلى المسبب, يرى رحمته وفضله, وغناه وقربه, فهو لاهٍ به عن غيره, منشغل به عن سواه, فأنّى يصيبه الهم أو القلق!

قال تعالى: {هو الذي يريكم ءاياته وينزل لكم من السماء رزقا, وما يتذكر إلا من ينيب, فادعوا الله مخلصين له الدين} غافر13-14, إن الذي يتأمل ءايات الله وعجائبه في صنعه, يجد من أعجبها ما أومأت إليه الآية, وهو ءاياته في سوق الرزق إلى عباده. ولو ذهبنا نذكر قصصا تبرز قدرة الله على سوق الرزق لعباده في أي ظرف وأي مكان وأي زمان, لطال بنا المقام...

إن حقيقة التوكل, أن لا تتعلق بالسبب خوفا ورجاءً, وأن لا تقف عنده بنظرك وهمك, بل تتجاوزه إلى مسببه.

ولنضرب لذلك مثالا:

جاء رجل إلى ملك عظيم, فسأله حاجته, وألح في المسألة, حتى رضي الملك, وقضى حاجته, فأمر عبدا من عبيده أن ينصرف مع هذا الرجل لينفذ الأمر ويعطي الرجل أعطيته, فبادر العبد وخرج مع الرجل لتنفيذ أمر الملك.

في الطريق أخذ الرجل يتملق للعبد ويرجوه ويخشاه ويذل له, بل تمادى به الحال إلى أن نسي الملك الذي أمر العبد, وأخذ يعصاه من أجل إرضاء هذا العبد المأمور.

فالعبد في المثال هو السبب الذي ساقه الله إليك, فمن العجيب أن تراقب العبد وتنسى الملك.

أحيانا أرجع إلى البيت وقد أحضرت للأبناء قطعة من الحلوى, فأدخل وهم فرحون مستبشرون لاهون عما أحضرت لهم, فما أن أخرج يدي من جيبي وأريهم ما أحضرت لهم, حتى يعلوَ صراخهم فرحا بالحلوى وخوفا من أن يحرموها واستعجالا أن ينالوها, ولا ترتاح نفوسهم إلا بعد أن يضع أحدهم قطعة الحلوى في فمه, وهذه حال كثير من الناس, يأتيه الله بالسبب من حيث لا يحتسب, فما يكاد يلوح له السبب, حتى ينشغل قلبه به, ويشد عزمه إليه, ويخاف من فقده, ويبقى بين ترقب وخوف وقلق ورجاء...

لقد كلف الله عباده بتكاليف كثيرة, تستلزم الصبر والشكر ومجاهدة النفس على فعل المأمور وترك المحظور, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, إلى غير ذلك من التكاليف التي هي من مسمّاها فيها كلفة ومشقة, لذلك أراحهم من كلفة الرزق وهمه, وجعله مضمونا مكفولا, فقال تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ولم يكتف بالإخبار بل أضاف إليه التأكيد والقسم وضرب المثل, فقال: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} الذاريات 22-23 وقد حكى أهل التفسير في هذه الآية أن أعرابيا لما سمعها صاح وقال: "يا سبحان الله, من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف, لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين"[5]

ويقول عز وجل في آية أخرى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك} طه132, ولعلك تدرك الرابط بين أمر الأهل بالصلاة, وبين قوله: {لا نسألك رزقا نحن نرزقك} فكأنه صرف همتك إلى الأمر الأول, وأراحك من الأمر الثاني, فاهتم بما أمرك, والهَ بقلبك عما تكفل هو به؛ قال أحد العلماء: "انشغالك بما ضمن لك عما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك".

إذا تحقق الإنسان بهذا الأمر, حقق لنفسه مكسبين عظيمين:

أولهما: تحقيق عبادة التوكل وهي من أعظم العبادات.

ثانيهما: قرت عينه ورضيت نفسه واستقرّت حاله, وغدا سعيدا لا يحمل هم الرزق وغمه, وما أحكم الحسن البصري رحمه الله حين عرّف التوكل بثمرته الكبرى فقال: "هو الرضا عن الله".

إن هذا الرضا هو حقيقة السعادة التي يعيشها المسلم, في مقابل القلق النفسي الذي يعانيه غير المؤمن, حين يفكر في المستقبل, أو حين يطرأ عليه في حياته طارئ.

قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل ؟ قال: على أربع خلال: "علمت أن رزقي لا يأكله غيري, فلست اهتم له, وعلمت أن عملي لا يعمله غيري, فأنا مشغول به, وعلمت أن الموت يأتيني بغتة, فأنا أبادره, وعلمت أني بعين الله في كل حال, فأنا مستحي منه"[6]

وهذا الرضا هو من الأمن الذي وُعد به المؤمنون في قوله تعالى: {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولائك لهم الأمن وهم مهتدون}الأنعام82.

يتحدث الناس اليوم عن الأمن المادي, وأن على الإنسان أن يؤمن رزقه حتى ترتاح نفسه, ويحصل له الأمن, ووالله ما من طريق إلى هذا الأمن إلا إذا تأكد أن الذي خلقه هو الذي تكفل برزقه, وهو الذي قدّر له رزق اليوم ورزق الغد, وإلا إذا تشبع قلبه بالتوكل على الله, فهذا هو الذي يتحصل له الأمن والراحة والسعادة الدائمة؛ أما غير المتوكل فلا أمن له ولا قرار, وقد رأينا الرؤساء والملوك والأغنياء, كلهم يخاف الفقر, ويخشى حوادث الدهر وتقلب الأيام, فمهما كثرت ثرواتهم, وعظمت مكانتهم, فهم في قلق دائم, وترقب مستمر, وليس لهم من الأمن شيء.

إن الأمن كل الأمن في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه و جمع له شمله و أتته الدنيا و هي راغمة, ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه و فرق عليه شمله و لم يأته من الدنيا إلا ما قدر له"[7] لذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من أن تكون الدنيا أكبر همه, ومبلغ علمه.

إن النفس تخاف الفقر أشد الخوف, لكنها وبدل أن ترتبط بالمسبب الحقيقي, ترتبط بالسبب المادي الظاهر أمامها, وهذا من أقوى الأسلحة التي يستخدمها إبليس ليضرب عقيدة التوكل في قلوب الضعفاء: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} بينما يعد الله أولياءه مغفرة وغنى {والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} البقرة 268.

وقد لجأت النصوص الشرعية في محاولة كسر هذا الخوف من القلوب, إلى أساليب كثيرة كي يحصل اليقين بأن الرزق حاصل للإنسان كما قدره الله, ومن أبلغ هذه الأساليب: الربط بين الموت والرزق, كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله"[8], وقوله: {أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب, فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها, فاتقوا الله وأجملوا في الطلب, خذوا ما حل ودعوا ما حرم}[9], إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خذوا ما حل ودعوا ما حرم" هو مقياس يُمكن أن يعرف به الإنسان درجة توكله, فمن طاوعته نفسه على الوقوع في الحرام لأجل الرزق, فهذا ليس من التوكل في شيء.

إن المتوكلين على الله أناس عقلاء, عرفوا أن الله هو المالك المطلق, والمتصرف الأوحد, وتيقنوا أن غيره عباد مأمورون, لا ينفعون ولا يضرون, فوقفوا عنده, وقصروا همهم عليه, وعلقوا قلوبهم به, فكفاهم الهم, وحررهم من قيود التعلق بمن سواه, فهم بعبوديتهم له أحرار, وبغناهم به أغنياء, وبتوكلهم عليه أقوياء: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا}.الطلاق 3




--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه الترمذي في باب التوكل على الله، وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

[2] نقل هذه الآثار، البيهقي في شعب الإيمان.

[3] الحديث أخرجه مسلم في باب الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة.

[4] سنن ابن ماجه.

[5] الكشاف للزمخشري.

[6] البيهقي في شعب الإيمان.

[7] صحيح رواه الترمذي وغيره.

[8] صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

[9] صححه الألباني في سنن ابن ماجه.

منقــــــــــــــــول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ألامــــير




مُساهمةموضوع: رد: التوكل وبذل السبب   15/4/2008, 16:55

نعم

جزاكى الله خيرا

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

جعله الله فى ميزان حسناتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
البحر الهادئ





مُساهمةموضوع: رد: التوكل وبذل السبب   1/5/2008, 21:22

بارك الله فيك
ورزقكى وايانا بحق عبادته
شككرا كتير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
smoll fefe




مُساهمةموضوع: رد: التوكل وبذل السبب   4/5/2008, 23:56

بارك الله فيكى

وجعله من ميزان حسناتك اختى

تقبلى ودى واحترامى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التوكل وبذل السبب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نسمة الحياة :: القســم الاسـلامى :: *الاســــــــــــــــــلامى*-
انتقل الى: