الرئيسيةدخولالتسجيلالتسجيل

شاطر | 
 

 عبدالرحمن بن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
smoll fefe




مُساهمةموضوع: عبدالرحمن بن خلدون   15/5/2010, 13:11

عبدالرحمن بن خلدون رائدًا متميزًا للفكر الاقتصادي

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

أفكار عبدالرحمن بن خلدون الاقتصادية لا تقل إبهارًا وسبقًا للعديد من النظريات التي بزغت في الفكر الاقتصادي الغربي، وشغلت الاقتصاديين على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.

يقف ابن خلدون موقفًا متشددًا من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وقد سبق في ذلك آدم سميث بنحو خمسة قرون. فهو يرى أن السياسة العقلية التي تأخذ بها الدولة في إدارة شئون البلاد تكون على وجهين: «أحدهما يراعى فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، والوجه الثاني أن يراعى فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة، وتكون المصلحة العامة في هذه تبعًا. وهذه هي السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم وكافر». ولذا يؤكد ابن خلدون أن «أكثر الأحكام السلطانية جائرة في الغالب، إذ العدل المحصن إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللبث. فالسلطان والأمراء لا يتركون غنيًا في البلاد إلا وزاحموه في ماله وأملاكه مستظلين بحكم سلطاني جائر من صنعهم».

ويرفض ابن خلدون تدخل الدولة المباشر في الإنتاج والتجارة لما يترتب عليه من أضرار اقتصادية. وأهم وجوه الضرر تتلخص في القضاء على ظروف المنافسة السائدة في السوق واتخاذ الدولة وضعًا احتكاريًا لقوتها الاقتصادية واعتمادها على نفوذها وسلطانها في البيع والشراء واستنزافها رءوس الأموال السائلة لدى المنتجين والتجار مما يقعدهم عن السعي للكسب والمعاش، وينتهي كل ذلك إلى تقليص الجباية وانخفاض موارد الدولة، وهي نتيجة مناقضة للهدف المبتغى من وراء تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. فحاجة الدولة لتغطية نفقاتها المتزايدة تدفعها نحو هذا التدخل ولكن النتيجة حينئذ تكون بعكس القصد: «اعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها، واحتاجت إلى مزيد من المال والجباية، فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما قدمنا وتارة بالزيادة في ألقاب (معدلات، أسعار) المكوس إن كان قد استحدث من قبل، وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك عظامهم، لما يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان (المحاسبون)، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية، ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد. غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة».
فمن أعظم صور الظلم وإفساد العمران والدولة في رأي ابن خلدون «التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع». فإذا تكرر ذلك فإنه يدخل على الرعايا «العنت والمضايقة وفساد الأرباح وما يقبض آمالهم من السعي في ذلك جملة ويؤدي إلى فساد الجباية، فإن معظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار، لاسيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها، فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش». وهكذا يخلص ابن خلدون إلى أن تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية «مضر بالرعايا ومفسد للجباية». ويرجع ذلك لأن هذا التدخل يقضي على المنافسة ويدعم الاحتكار ويضيع تكافؤ الفرص ويضعف الحافز الاقتصادي لدى الأفراد.

الضرائب

يرى ابن خلدون أن «الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع (جمع وزيعة وهو ما يتوزع على الأشخاص والمقصود بها الأعباء الضريبية والجمركية). أي أنه في بداية نشأة الدولة لا يلزم المواطنين إلا بتحمل مقدار معتدل من الضرائب بينما تحملهم الدولة عند نهايتها أعباء ضريبية أكبر. ولكن ارتفاع الحصيلة الضريبية للدولة يتناسب في رأي ابن خلدون عكسيا مع زيادة أعباء المواطنين الضريبية. فكلما قلّت هذه الأعباء زادت الحصيلة الإجمالية، وكلما زادت الأعباء قلّت الحصيلة الإجمالية.

والواقع أن ابن خلدون يربط مستوى العبء الضريبي بدرجة التطور الاجتماعي والاقتصادي التي تبلغها الدولة. فكلما نمت الدولة وتطورت زادت نفقاتها ومن ثم اتجهت نحو فرض المزيد من الضرائب والرسوم: «اعلم أن الدولة تكون في أولها بدوية كما قلنا، فتكون لذلك قليلة الحاجات لعدم الترف وعوائده، فيكون خرجها وإنفاقها قليلاً، فيكون في الجباية حينئذ وفاء بأزيد منه، بل يفضل منها كثير من حاجاتهم. ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف وعوائدها، وتجري على نهج الدولة السابقة قبلها، فيكثر لذلك خراج أهل الدولة، ويكثر خراج السلطان خصوصًا كثرة بالغة بنفقته في خاصته وكثرة عطائه، ولا تفي بذلك الجباية. فتحتاج الدولة إلى الزيادة في الجباية. فتزيد في مقدار الوظائف والوزائع.

ويدرك الدولة الهرم، فتقل الجباية وتكثر العوائد، فيستحدث صاحب الدولة أنواعًا من الجباية يضربها على البياعات، ويفرض لها قدرًا معلومًا على الأثمان في الأسواق، وعلى أعيان السلع في أموال المدينة. وهو على هذا مضطر لذلك بما دعاه إليه ترف الناس من كثرة العطاء مع زيادة الجيوش والحامية. وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة فتكسد الأسواق لفساد الآمال، ويؤذن ذلك باختلال العمران ويعود على الدولة، ولايزال ذلك يتزايد إلى أن تضمحل».

ومن ثم يخلص ابن خلدون إلى رفض زيادة حجم العبء الضريبي على المواطنين لأنه يقود لا محالة - في المدى الطويل - إلى نقص الحصيلة الكلية للضرائب. وهذه الفكرة تحتل اليوم جانبًا مهمًا من اهتمام الاقتصاديين، حيث قدمت أخيرًا في شكل ما يسمى بمنحنى لافير Laffer Curve الذي حظي برواج فكري واسع في أمريكا وأوربا في عقد الثمانينيات من القرن العشرين.وقد سلّم آرثر لافير نفسه في عام 2004 بأن أصل فكرته موجود بوضوح في مقدمة ابن خلدون، ومن ثم فإنه ليس أول من ابتكر المنحنى الذي يطلق عليه اسمه.

الإنفــــــــاق العـــــــــام

رأينا في ما تقدم أن النفقات العامة تزيد بتطور حظ الدولة من الحضارة والعمران. واللافت للانتباه في مجال الإنفاق العام هو أن ابن خلدون قد تناول بالتحليل مسألتين مهمتين لم تستأثرا باهتمام علماء الاقتصاد إلا في الآونة الأخيرة: الأثر الاقتصادي للطلب العام وأثر الإزاحة المترتب في الإنفاق العام.

فمن ناحية يلاحظ ابن خلدون أن «الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران، فإذا احتجن (حجب) السلطان الأموال أو الجبايات، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها، قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضًا ما كان يصل منهم وذويهم، وقلت نفقاتهم جملة، وهم معظم السواد، ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق، وتضعف الأرباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك، لأن الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق (رواج) الأسعار وطلب الناس للفوائد والأرباح. ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج. فإن الدولة كما قلناه هي السوق الأعظم، أم الأسواق كلها، وأصلها ومادتها في الدخل والخرج، فإن كسدت وقلت مصاريفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه. وأيضًا فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان، منهم إليه، ومنه إليهم، فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية، سنة الله في عباده».

يرى ابن خلدون إذن أن إنفاق الحكومة للمال العام في شراء السلع والخدمات وتقديم الأموال (الإعانات) لبعض المواطنين ضروري لرواج الأسواق وتحقيق النمو الاقتصادي، وهي ذات الأفكار التي تمثل المحور الرئيسي للنظرية الكينزية التي أحدثت ثورة في الفكر الاقتصادي قبيل الحرب العالمية الثانية. فزيادة الطلب الفعال الممول من الدولة في إطار مشروعات الأشغال العامة والإعانات الاجتماعية هو الحل المتميز الذي اقترحه جون مينارد كينز (اللورد كينز) للخروج من أزمة الكساد الكبير التي حاقت بالاقتصادات الغربية في فترة ما بين الحربين العالميتين.

ومن ناحية ثانية، يعتقد ابن خلدون أن دخول الدولة مشترية في الأسواق يؤدي إلى مضايقة الفلاحين والتجار، وسبب ذلك أن «الرعايا متكافئون، في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك، وماله أعظم كثيرًا منهم، فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته، ويدخل على النفوس من ذلك غم ونكد». ويُعتبر هذا التحليل الذي يقدمه ابن خلدون لأثر مزاحمة الدولة المنتجين والتجار في أسواقهم تحليلا رائعًا بكل المقاييس. فمنذ سنوات قليلة فقط فطن بعض الاقتصاديين لأهمية هذه المسألة خاصة في السوق المالية، فظهرت نظرية جديدة تعرف باسم نظرية الإزاحة أو المزاحمة Crowdeng out. وجوهر هذه النظرية أن الدولة إذا زاحمت المستثمرين من القطاع الخاص في سوق الاقتراض سوف تحرمهم من فرصة الحصول على تمويل لاستثماراتهم أو ترفع نفقة هذا الاستثمار، الأمر الذي يقعدهم عن المشاركة في العملية الإنتاجية ويخفض مستوى الاستثمار والإنتاج في الدولة ككل. وهذه النظرية في إطارها الرئيسي لا تخرج كما رأينا عن أفكار ابن خلدون الذي لم يغفل عن أن يضيف لتحليله المادي بعدًا نفسيًا حيث إن مزاحمة الدولة تدخل على النفوس غما ونكدا، ومن ثم تفقد المشاركين في العملية الإنتاجية الحافز للاستمرار في ذلك. ومن الجلي أن ابن خلدون كان ضد مشاركة الدولة المباشرة في كل صور النشاط الاقتصادي، وذلك بسبب الآثار المدمرة المترتبة على هذه المشاركة في الدول التي عاصرها ودرس وحلل أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

النمــــــــو الاقتصـــــــــــادي

يقدم ابن خلدون ربما للمرة الأولى في تاريخ الفكر الاقتصادي، بذور نظرية ديناميكية للنمو الاقتصادي، فيرى أنه «إذا كثرت الأعمال كثرت قيمتها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة، ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنق، فتنفق (تروج) أسواق الأعمال والصنائع ويكثر دخل المصر وخرجه،ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية، فزادت قيمتها، وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية، ونفقت سوق الأعمال بها أكثر من الأول. وكذا في الزيادة الثانية والثالثة، لأن الأعمال الزائدة كلها تختص بالترف والغنى بخلاف الأعمال الأصلية التي تختص بالمعاش».

فالعمران يؤدي إلى زيادة الدخل التي تؤدي بدورها لزيادة الإنفاق الذي يمثل طلبًا على السلع الترفية ما يؤدي إلى رواجها ومن ثم زيادة حجم إنتاجها، الأمر الذي ينجم عنه زيادة الدخل الذي يحققه القائمون على هذا الإنتاج، ثم يتحول هذا الدخل مرة ثانية إلى إنفاق، وتتكرر الدورة نفسها من جديد. فنظرية ابن خلدون الديناميكية للتطور الاقتصادي لا تتوقف عند وصف الأوضاع الاقتصادية في لحظة زمنية ثابتة (تحليل استاتيكي) ولكنها تنبني على تحليل لتطور الأوضاع الاقتصادية على مساحة زمنية واسعة من خلال تتبع الآثار المقصودة وغير المقصودة المترتبة على الحدث الأول، وهي نظرية لم تستخدم على نطاق واسع في علم الاقتصاد المعاصر إلا قرب منتصف القرن العشرين.

السكـــــــــــــان وتقسيـــــــــم العمـــــــل

يؤدي نمو السكان وتطور العمران إلى ظهور تقسيم للعمل الاجتماعي وتخصص يزيد من مقدار الإنتاج. والسبب في ذلك كما يشرحه ابن خلدون «أنه إذا عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه، وأنهم متعاونون جميعًا في عمرانهم على ذلك والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تسد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافًا، فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم».

وإذا كان أفلاطون وأرسطو قد تعرضا من قبل لتقسيم العمل فإنهما كانا يتمسكان بتقسيم جامد يميز بصرامة بين الطبقات والوظائف الاجتماعية ويرجعان ذلك لتفاوت فطري مبني على الأصل الاجتماعي، وعلى العكس فإننا نجد ابن خلدون صاحب فكر تقدمي في هذا الصدد حيث يقيم تقسيم العمل والتخصص على أساس التعلم والاكتساب الحر للحرفة أو المهنة. فأي إنسان على الفطرة لديه الاستعداد لاكتساب ملكة أو حرفة معينة، وإذا ما أجاد تلك الملكة أو الحرفة فقل أن يجيد بعدها ملكة أو حرفة أخرى. فالواقع أن عبدالرحمن بن خلدون قد أكد منذ وقت مبكر أهمية التخصص سواء في الحرف العملية أو الفنية أو في المسائل الفكرية والعلمية. «ومثل ذلك الخياط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها ورسخت في نفسه فلا يجيد من بعدها ملكة التجارة أو البناء، إلا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صيغتها.

فقل أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى ويكون فيهما معًا على رتبة واحدة من الإجادة. حتى أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة، والسبب ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة».

القيمــــــة والأثمـــــان والنقــــود والاحتكـــــار

يرى ابن خلدون أن السلع والمنتجات هي نتاج العمل الإنساني, وقيمتها تستمد من أهمية ما بذل فيها من عمل. فابن خلدون رائد لنظرية العمل أساس القيمة. يقول ابن خلدون: «اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الاقتصاد والقصد إلى التحصيل. فلابد في الرزق من سعي وعمل.. فلابد في الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول (مال مختزن، رأس مال)، لأنه إذا كان عملاً بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلابد فيه من العمل الإنساني كما تراه، وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع». «فالعمل في الصنائع المختلفة ظاهر للعيان لأهميته مما يضفي عليه قيمة كبيرة، فكلما كان العمل فيها أكثر فقيمته أكثر. وإن كان العمل من غير الصنائع فلابد في قيمة ذلك المفاد والقنية (السلعة الاستهلاكية والسلعة المعمرة) من دخول العمل الذي حصلت به، إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها (اقتناؤها). وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل لها حصة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدمناه، لكنه خفي في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومئونته يسيرة، فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح». ويخلص ابن خلدون مما سبق إلى أن «الإفادات والمكتسبات (السلع والمنتجات) كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية».

والواقع أن عبدالرحمن بن خلدون لم يكتف فقط بالقول إن العمل أساس القيمة ولكنه ميّز أيضًا بين العمل الظاهر الذي يخلق القيمة مباشرة والعمل الخفي (المخزون أو المتراكم) الذي يشكل أساس القيم للأعمال الإنتاجية المستقبلية. فالسلع الاستهلاكية تنطوي على عمل ظاهر يمنحها قيمتها الحالية لأن منفعتها فورية، على حين أن السلع الرأسمالية الثابتة كالمباني والتجهيزات والآلات (المقتنيات بصفة عامة) لا تشبع حاجة فورية ولكنها ضرورية لقيام العمليات الإنتاجية اللاحقة، فقيمتها أكيدة وإن كانت غير ظاهرة في الحال. ومع الأسف فإن كتب تاريخ الفكر الاقتصادي الغربية تغفل عن الدور الرائد لابن خلدون في وضع أسس نظرية العمل في القيمة وتعتبر الإنجليزي سير وليم بتي (1623 - 1687) مؤسس هذه النظرية.

ويربط ابن خلدون قيمة العمل بالمنفعة مباشرة وغير مباشرة، فالحاجة إلى الأعمال والسلع تحدد قيمتها «فالكسب كما قدمناه قيمة الأعمال وأنها متفاوتة بحسب الحاجة إليها، فإذا كانت الأعمال ضرورية في العمران عامة البلوى به،كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشد». فالواقع أن «الصنائع إنما تستجار (تنمو وتتطور) إذا احتيج إليها وكثر طلبها، وإذا ضعف أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاص عمرانه وقلة ساكنه تناقص فيه الترف، ورجعوا إلى الاقتصار على الضروري من أحوالهم، فتقل الصنائع التي كانت من توابع الترف، لأن صاحبها حينئذ لا يصح له بها معاشه، فيفر إلى غيرها أو يموت». فعلى قدر الطلب (أو الحاجة) تكون قيمة السلعة أو الخدمة، ومن ثم يتحدد ثمنها.

غير أن القيمة أو الثمن كما تتأثر بظروف الطلب تتأثر أيضًا بظروف العرض. فمن ناحية تتوقف أثمان السلع على مدى ندرتها أو وفرتها «فنقل السلع من البلد بعيد المسافة أو في شدة الخطر في الطرقات يكون أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحًا وأكفل بحوالة الأسواق.

لأن السلعة تكون حينئذ قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدة الغرر (تعريض النفس للهلاك) في طريقها فيقل حاملوها ويعز وجودها، وإذا قلت وعزت غلت أثمانها. وأما إذا كان البلد قريب المسافة والطريق سابلا (مسلوك) بالأمن، فإنه حينئذ يكثر ناقلوها، فتكثر وترخص أثمانها».

وتتوقف أثمان السلع من ناحية ثانية على أهمية نفقة إنتاجها «فقد يدخل أيضًا في قيمة الأقوات قيمة ما يفرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان في الأسواق وأبواب المصر (الجمارك) وللجباة في منافع يفرضونها على البياعات لأنفسهم، ولذلك كانت الأسعار في الأمصار أغلى من الأسعار في البادية. وقد تدخل أيضًا في قيمة الأقوات قيمة علاجها في الفلح، ويحافظ على ذلك في أسعارها، كما وقع بالأندلس لهذا العهد.

وذلك أنهم لما ألجأهم النصارى إلى سيف البحر وبلاده المتوعرة خبيثة الزراعة النكدة (العسيرة) النبات، وملكوا عليهم الأرض الزاكية (الخصبة) والبلد الطيب، فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لإصلاح نباتها وفلحها،وكان ذلك العلاج بأعمال ذات قيم ومواد من الزبل وغيره (مخصبات، أسمدة) لها مئونة، وصارت في فلحهم نفقات لها خطر فاعتبروها في سعرهم، واختص قطر الأندلس بالغلاء.. لأجل ذلك، ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في ذكاء منابتهم وطيب أرضهم ارتفعت عنهم المؤن جملة في الفلح مع كثرته عمومًا، فصار ذلك سببًا لرخص الأقوات ببلدهم».

وتتوقف قيم وأثمان الأعمال والسلع من ناحية ثالثة على حال صاحبها من الجاه، أي السلطة والنفوذ. فإننا في الواقع «نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارًا وثروة من فاقد الجاه». والسبب في ذلك أن صاحب الجاه «مخدوم بالأعمال يتقرب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه، وفاقد الجاه بالكلية ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه». فالجاه «يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرب إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضار وجلب المنافع، وتصير تلك الأعمال في كسبه،وقيمتها أموالا وثروة له». وعلى العكس فإن «أكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم، فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة»، ولربما نجد في هذا التحليل تفسيرا لتكالب الكثيرين من رجال الأعمال على الاقتراب من أهل السلطة والنفوذ والارتباط بهم حتى في الوقت المعاصر.

ولا يغفل ابن خلدون تحليل ظاهرة التضخم بالقدر الذي كانت عليه في عصره، فيرى أنه «إذا استبحر (اتسع) المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت وما في معناه، وغلت أسعار الكمالي من الأدم (جمع أدام وهو ما يستمرأ به الخبز) والفواكه وما يتبعها. وإذا قل ساكن المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس». وتفسير ذلك هو أن إنتاج السلع الضرورية يزيد بزيادة العمران حتى تعم وترخص أسعارها. أما السلع الكمالية فإنها لا تنتشر بالقدر نفسه وترتفع أثمانها لثلاثة أسباب: «الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه، والثاني اعتزاز أهل الأعمال بخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها،والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصناع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها، فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك».

ولا تفوت ابن خلدون الإشارة إلى ظاهرة الريع، فقيمة العقارات ترتفع مع تطور العمران، ومن ثم تزيد ثروات ودخول ملاكها دون سعي وكد من جانبهم: «إن العقار في آخر الدولة وأول الأخرى عند فناء الحامية وخرق السياج وتداعي المصر إلى الخراب تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيه بتلاشي الأحوال فترخص قيمته ويتملك بالأثمان اليسيرة، فإذا استجد (استعاد) المصر شبابه باستفحال الدولة الثانية، وانتظمت له أحوال رائعة حسنة تحصل معه الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ، فتعظم قيمتها، ويكون لها خطر لم يكن في الأول. وهذا معنى الحوالة فيها، ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه، إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك».

ويتعرض ابن خلدون للنقود كمقياس ومخزن للقيمة فيقول «إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول (رأس مال) وهما الذخيرة والقنية (ما يجمع ويقتنى) لأهل العالم في الغالب، وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل، فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة».

ويتناول ابن خلدون سك النقود، فيعرف السكة بأنها «الختم على الدنانير والدراهم المتعامل بها بين الناس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات»، وذلك بعد تقدير عيار المعدن الذي تحتويه وحدة النقد ووزنه بحسب الأحوال. وسك النقود «وظيفة ضرورية للملك إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات». «ولما جاء الإسلام أغفل ذلك حتى أمر عبدالملك بن مروان الحجاج بضرب الدراهم وتمييز المغشوش من الخالص وذلك سنة أربع وسبعين هجرية».

ويدين ابن خلدون الاحتكار بعبارات صريحة، فيقول إن «احتكار الزرع لتحين أوقات الغلاء مشئوم وأنه يعود على فائدته (المقصود صاحبه) بالتلف والخسران». وهذا يطابق ما أشرنا إليه سلفًا من إدانته تدخل الدولة في الاقتصاد لوضعها الاحتكاري وإضرارها بأوضاع المنافسة بين الأكفاء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أمواج الصمت





مُساهمةموضوع: رد: عبدالرحمن بن خلدون   15/5/2010, 18:07

تتعطر زوايا حياتنا بمسيرة العلماء
لاعدمنا جديدك غاليتي
ولك التحية والتقدير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
smoll fefe




مُساهمةموضوع: رد: عبدالرحمن بن خلدون   17/5/2010, 12:55

ميرسى يا قمر

لا عدمت طلتك الحلوة يارب

دمتى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة الامل





مُساهمةموضوع: رد: عبدالرحمن بن خلدون   31/5/2010, 23:28

يعطيك الف عافية على ماقدمت

لاعدمنا جديدك المميز

تقبل مروري مع خالص ودي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عبدالرحمن بن خلدون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نسمة الحياة :: الاقسام العلمية :: *شخصيـات تاريخيـة*-
انتقل الى: