الرئيسيةدخولالتسجيلالتسجيل

شاطر | 
 

 الاعجاز في سورة النجم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
*rody*





مُساهمةموضوع: الاعجاز في سورة النجم   11/6/2010, 04:24

" هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ " ( النجم 32)



هذا النص القرآني المعجز جاء في بداية النصف الثاني من‏‏ سورة النجم‏، وهي سورة مكية، وعدد آياتها‏ (62)‏ بعد البسملة ، وفي ختامها سجدة من سجدات التلاوة ‏.‏وقد أخرج كلٌ من الأئمة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي أن‏'‏ سورة النجم‏'‏ هي أول سورة أنزلت فيها سجدة تلاوة ‏. وقد سميت السورة بهذا الاسم‏ ـ ‏النجم ـ‏ لاستهلالها بقسم من الله‏ ـ‏ تعالى‏، وهو غني عن القسم لعباده‏ ـ يقول فيه‏ ـ‏ وهو أحكم القائلين‏ ـ: " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏" (النجم:1) . ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة الكريمة حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية، وفي مقدمتها الإيمان بالله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ رباً واحداً أحداً فرداً صمداً، لا يشبهه أحد من خلقه، ولا يشاركه أحد في ملكه، ولا ينازعه أحد في سلطانه، وهو منـزه عن جميع صفات خلقه ـ ومنها الادعاء الباطــل له بالصاحبة والولد‏ ـ وأن هذا الإله الخالق البارئ المصور خلق الموت والحياة‏‏ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ‏.‏
ومن ركائز العقيدة الإسلامية كذلك الإيمان بحقيقة الوحي من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى سلسلة من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ من خلقه بعلمه، والذين ختمهم ببعثة خاتم أنبيائه ورسله سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي أوحي إليه ربه عبر سيدنا جبريل‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ هدايته الخاتمة للبشرية كلها ، وتعهد بحفظها في نفس لغة وحيها حفظاً كاملاً إلى يوم الدين، والذي أكرمه ربه ـ‏ تبارك وتعالى ـ بمعجزة الإسراء والمعراج، وكان فيها من التكريم ما لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد .
ومن هنا كان الإيمان ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم وبصدق رسالته ركيزة من ركائز العقيدة الإسلامية التي لا يرتضي ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه ـ‏ من عباده عقيدة سواها، فقال ـ‏ عز من قائل‏ ـ
: " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ " ‏(‏آل عمران‏:19)‏ .
وتبدأ‏‏ سورة النجم‏‏ بالقسم الإلهي الذي يقول فيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏" (‏النجم‏:1)‏ .
وقد نقل عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ ـ‏ رضي الله عنها‏ ـ‏ في تفسير هذه الآية الكريمة قولها‏:‏ هو جبريل ‏ـ‏ عليه السلام ـ‏ في أول نزوله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي لم يره في صورته الحقيقية إلا مرتين‏ :‏ مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد ـ ‏من أحياء مكة المكرمة‏ ـ‏ وله ستمائة جناح قد سد الأفق‏ .‏ وقيل في ‏"‏ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏"‏
أنه القرآن الكريم إذا نزل . وقيل: هو الثريا إذا سقطت مع الفجر‏.‏ وقيل : هي الشهب إذا رجمت بها الشياطين . وقيل : هي نجوم السماء على إطلاقها ، وقيل غير ذلك ‏.‏
ومع تسليمنا بذلك إلا أن الآية الكريمة تحتمل الإشارة إلى ظاهرة من أهم الظواهر الكونية تتحول فيها النجوم في نهاية دورة حياتها إلى دخان الكون بالانفجار كما بدأ خلقها منه بالتكديس والتضاغط الناتجين من الدوران بسرعات فائقة في داخل السدم، أو ينزل بقايا هذا الانفجار إلى الأرض ليختلط بترابها، وأصله من دخان الكون الذي خلق الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ منه كلاً من السماوات والأرض تأكيداً على وحدة بناء الكون الناطقة بوحدانية الخالق‏ـ‏ سبحانه‏ .
‏ وقد يعاد توظيف هذا الدخان جزئياً أو كلياً في بناء جرم سماوي جديد، أو في إضافته إلى جرم قائم مثل الأرض فيدخل في دورة من دورات الخلق للجمادات أو للأحياء‏ .‏
ثم يأتي جواب القسم بتأكيد من الله ـ‏ تعالى ـ على صدق خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فيما بلَّغ عن ربه اتباعاً للحق الذي أنزل عليه بغير أدنى حيود أو ميل عنه، وفي استقامة واعتدال تامين هيأهما الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ له وهيأه لهما، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الناس كافة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، وفي ذلك تقول الآيات ‏:
" مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى .وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى . عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى ‏" (‏النجم‏:2-18)‏ .
وإجماع المفسرين على أن هذه الآيات تصف لقاء جبريل عليه السلام بخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ مرة في الأرض، وأخرى في السماء بهيئته الحقيقية؛ لأن سدرة المنتهي في السماء السابعة، وإليها ينتهي كل ما يُعرج به من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي كل ما يهبط به من فوقها فيفيض منها‏ .‏
ثم تستنكر الآيات في سورة النجم شرك المشركين بالله وتطاولهم على الذات الإلهية بنسبة الملائكة إليه وهم من خلقه‏ ـ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا‏ًً ـ‏ واعتبارهم الملائكة إناثاً، وهو خوض‏ ـ‏ بغير حق‏ ـ‏ في أمور غائبة عنهم غيبة كاملة، وفي ذلك تقول الآيات ‏:
" أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى ‏" (‏النجم‏:19-23)‏.
وكانت ‏(‏اللات‏)‏ صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء كبير، وكان أغلب أهل الطائف يعظمونها‏ ـ‏ وهم ثقيف ومن تابعها‏ ـ وكانت‏ (‏العزى‏)‏ شجرة عليها بناء وأستار بمنطقة نخلة بين مكة والطائف ‏.‏
وأما‏ (‏مناة‏)‏ فكانت بين مكة والمدينة بمنطقة‏ المشلل‏ بالقرب من قديد، وكانت كلٌ من خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها في جاهليتهم، ويهلون منها للحج إلى الكعبة المشرفة‏ .‏
وكانت هذه الثلاثة ضمن عدد كبير من الطواغيت التي اتخذها مشركو العرب بيوتاً تُعظَّم ويُنحر عندها‏,‏ ويهدى إليها ويطاف بها كالطواف حول الكعبة تماماً، مع إدراكهم لفضل الكعبة عليها بصفتها بيت الله الذي رفع قواعده كلٌ من إبراهيم وولده إسماعيل ـ عليهما السلام ـ والذي حرمه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ يوم خلق السماوات والأرض‏ .‏
وتعتب الآيات في سورة النجم على هؤلاء المشركين جورهم في اختيارهم الذكور لأنفسهم وادعاء نسبة الإناث إلى الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وما هي إلا أسماء اخترعوها من عند أنفسهم وليس لهم بها أدني دليل ‏.‏ ثم تستطرد الآيات مؤكدة أنه ليس كل ما تمنى الإنسان من الخير حصل عليه؛ لأن الأمر كله لله رب السماوات والأرض وما بينهما، مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف فيهما بعدله وحكمته وإرادته، وأنه لا سلطان في هذا الوجود كله لغير الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وتؤكد الآيات أنه إذا كان الملائكة المقربون لا يشفعون إلا بإذن من الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ فكيف يتخيل المشركون إمكانية شفاعـة أصنامهـم عند الله وهـم يعبدونها من دون الله، أو يشركونها في عبادتهــم له والله‏ ـ‏ جـل شأنه‏ ـ لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى .وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَـاءُ وَيَرْضَى " (‏النجم‏:24-26)‏.
وتعاود الآيات في سورة النجم النعي على الكفار والمشركين تطاولهم على ملائكة الله بتسميتهم إياهم تسمية الأنثى، وعلى الذات الإلهية بادعائهم على الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أنهم بناته‏،‏ والله‏ ـ‏ جل شأنه‏ ـ‏ منـزه عن الصاحبة والولد‏؛‏ لأن هذه من صفات المخلوقين‏,‏ ولا يمكن لصفات المخلوقين أن تنطبق على صفات خالقهم‏ ،‏ وتؤكد الآيات أن ليس للمدعين بهذه الادعاءات الباطلة أي علم بما ادعوه من كذب وزور واختلاق وافتراء وتطاول . وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
‏" إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى . َمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً ‏" (‏النجم‏:27-28)‏.
وتأمر الآيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ،‏ والأمر له أمر لجميع المؤمنين برسالته‏ ـ بالإعراض عن الجاهلين من الكفار والمشركين، ومن الذين تولوا عن ذكر الله وغرقوا إلى آذانهم في أمور الحياة الدنيا حتى يدركهم الموت، ولم يجنوا من إقامتهم فيها شيئاً مما ينفعهم عند لقاء الله . وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
"‏ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ‏" (‏ النجم‏:29-30)‏

ثم تعاود الآيات التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو رب كل شيء ومليكه، وهو الحكم العدل الذي يجازي كلاً بعمله، ويعفو عن صغائر الذنوب ويغفرها، ويستر فاعليها إذا تابوا عنها وأقلعوا؛ لأن رحمة الله واسعة، ومغفرته وسعت كل ذنب لكل من تاب وأناب‏؛‏ ولأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ أعلم بخلقه من علم خلقه بأنفسهم . وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏" (‏النجم‏:31-32)‏.ثم يأتي النصف الأخير من هذه السورة الكريمة في صيغة عدد من التساؤلات التقريرية التوبيخية ، محذرة من التولي عن طاعة الله، أو من الإقلال في الطاعة ثم الانقطاع عنها؛ لأن أحداً من الخلق لا يعلم الغيب، ومثبتة عدداً من الحقائق الإلهية والصفات الإنسانية والأحداث التاريخية، ومنذرة بفجائية الآخرة فتقول ‏: ‏" أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى . أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى . أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى . وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا . وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى . وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى . وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى . وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى . وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى . وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى . فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى . هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى . أَزِفَتِ الآزِفَةُ . لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ " (‏النجم‏:33-58)‏ .
وتختتم السورة الكريمة بخطاب إلى كفار ومشركي قريش، وإلى كل كافر ومشرك ومتشكك من بعدهم، ساخرة من تكذيبهم الحق لما جاءهم، وآمرة كل مستمع لهذه الآيات بالسجود لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وبالخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة فتقول ‏:‏ ‏
"‏ أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ . فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ‏" (‏النجم‏:59-62)‏.

من ركائز العقيدة في سورة النجم:
‏(1)‏
الإيمان بالله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وبوحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه، وبصدق وحيه إلى أنبيائه ورسله، والإيمان بنبوة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وبكمال رسالته ‏.‏
‏(
2)‏ التصديق بمعجزة الإسراء والمعراج، وبكل ما رآه الرسول ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ ـ‏ من خلالها‏ .‏
‏(
3)‏ نفي الشرك ومجانبة المشركين، وإنكار الخوض في أمور الغيب بغير علم‏ .‏
‏(
4)‏ اليقين بأن لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الآخرة والأولى، وأن إليه منتهى كل شيء، وبأنه أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، وأن له ما في السماوات وما في الأرض، وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خلق الموت والحياة ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ واسع المغفرة وهو أعلم بخلقه إذ أنشأهم من الأرض، وإذ هم أجنة في بطون أمهاتهم، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى ‏.‏
‏(
5)‏ الإيمان بملائكة الله ، والتسليم بأن شفاعتهم لا تغني شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ‏.‏
‏(
6)‏ التصديق بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى ‏.‏
‏(7)‏
التسليم بضرورة شكر الله على نعمه، والحذر من نذره، والاستعداد للآخرة التي ليس لأهوالها من دون الله كاشف، والخضوع لله‏ ـ تعالى‏ ت بالسجود والطاعة والعبادة‏ .

من الأوامر التعبدية والسلوكية في‏ سورة النجم‏ :‏
(‏1)‏
النهي عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس؛ لأن ذلك لا يغني من الحق شيئا‏ًً .‏
(2)‏ الأمر بالسجود لله‏ ـ تعالى‏ ـ والخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة، والإعراض عن كل من تولى عن ذكر الله ولم يرد إلا الحياة الدنيا ‏.‏
(‏3)‏
الأمر بالحرص على الطاعات والحسنات، واجتناب المعاصي والسيئات؛ لأن سعي الإنسان في هذه الحياة الدنيا سوف يُرى، ثم يجزى الجزاء الأوفى ‏.‏
‏(4)‏ النهي
عن تزكية النفس؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو أعلم بمن اتقى ‏.‏
(5)‏ النهي كذلك عن البخل وعن استغلال الناس، وعن المماراة بآلاء الله‏ ت‏ تعالى ـ‏ وعدم شكرها؛ لأن بالشكر تدوم النعم ‏.‏


من الإشارات الكونية في‏‏ سورة النجم‏ :
‏(1)‏ الإشارة إلى أن للنجم دورة حياة من الميلاد إلى الوفاة " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏" ‏.
(2)‏ التلميح إلى ضخامة الكون بوصف الأفق ‏(‏بالأعلى‏).
‏‏(3)‏ ذكر أن البصر يزيغ ويطغى، وأن الله‏ (‏ تعالى‏)‏ قد ميز الإنسان بالقدرة على الضحك والبكاء ‏.
(‏4)‏ الإشارة إلى الآخرة والأولى، وإلى حقيقة الغيب ‏.
‏ ‏(5)‏ التأكيد على إنشاء الإنسان من الأرض وعلى خلقه في مراحل جنينية متتابعة في بطن أمه‏ .‏
‏(6)‏ التصريح بخلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ‏.‏
‏(7)‏ التأكيد على حقيقة البعث، وأن على الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ النشأة الأخرى ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة في القائمة السابقة، والتي جاء ذكرها في الآية القرآنية الكريمة رقم‏ (32)‏ من‏‏ سورة النجم‏ . وقبل الوصول إلى ذلك أرى ضرورة الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة ‏.‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ:‏ ‏"...‏ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏" . (‏النجم‏:32)‏
‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏ : ...‏ أي أعلم بأعمالكم وأقوالكم التي ستصدر عنكم وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه، أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين ‏:‏ فريقاً للجنة، وفريقاً للسعير، وكذا قوله: "‏وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ‏"‏ قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد‏... (انتهى قول المفسر)‏
وذكر القرطبي‏ ـ‏ رحمه الله ـ‏ ما مختصره‏: هو أعلم بكم من أنفسكم .‏ "‏ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ ‏" يعني أباكم آدم من الطين، وخرج اللفظ على الجمع . قال الترمذي أبو عبد الله ‏:‏ وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعاً في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذر النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات، منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سواداً من بعض، فكان الإنشاء واقعاً علينا وعليه‏."‏ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ‏ " جمع جنين ، وهو الولد ما دام في البطن سمي جنيناً لاجتنانه واستتاره‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في‏‏ الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما مختصره‏ : ....‏ فهو العلم السابق على ظاهر أعمالهم، العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة التي لا يعلمونها هم، ولا يعرفها إلا الذي خلقهم ‏.‏ علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض، وهم بعد في عالم الغيب، وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد علم بالحقيقة قبل الظاهر، وبالطبيعة قبل العمل، ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو ‏ـ‏ بل من سوء الأدب‏ ـ‏ أن يعرفه إنسان بنفسه أو أن يعلمـه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ بحقيقته‏!!‏ وأن يثني على نفسه أمامه يقول له‏: ‏ أنا كذا وأنا كذا‏: "‏ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏"‏ فما هو بحاجة إلى أن تدلوه على أنفسكم، ولا أن تزنوا له أعمالكم، فعنده العلم الكامل ، وعنده الميزان الدقيق، وجزاؤه العدل ، وقوله الفصل ، وإليه يرجع الأمر كله‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏
‏‏ جاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏ .‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم:

أولاً‏:‏في قوله ـ تعالى‏ ـ :‏ " إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ "‏:‏
ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بالمعاني الثلاثة التالية‏ :‏
‏(1)‏ الكوكب بأجمعه إذا جاءت لفظة ‏(‏الأرض‏)‏ في مقابلة السماء أو أيٍ من أجرامها ‏.‏
‏(2)‏ ألواح الغلاف الصخري للأرض المكونة لكتل القارات التي نحيا عليها ‏.‏
‏(3)‏ قطاع التربة الذي يغطي الصخور المكونة للألواح القارية التي تشكل جزءاً هاماً من الغلاف الصخري للأرض ‏.‏وقطاع التربة مستمد أصلاً من تجوية وتعرية صخور قشرة الأرض، والأخيرة مستمدة من تمايز الصهير الموجود في نطاق الضعف الأرضي تحت الغلاف الصخري للأرض مباشرة، وذلك بالتبلور التدريجي نتيجة للتبرد والتجمد، وكله من مادة الأرض‏ .‏
فإذا قال ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :"...‏ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ ‏..‏ "
كان هذا حقاً مطلقاً ‏.‏
وإذا فسر المصطفي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ذلك بقوله الشريف ‏:‏"إِنَّ
اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ "(‏أخرجه الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري كما أخرجه كل من الإمامين أبو داود والترمذي عن عوف الأعرابي‏)‏
كان ذلك حقاً مطلقاً؛ لأنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ يصفه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقوله العزيز ‏:‏ " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى " (‏النجم‏:3-4)‏ .
فلفظة‏ (‏الأرض‏)‏ في كلٍ من هذه الآية القرآنية الكريمة‏,‏ والحديث النبوي الشريف تشير إلى قطاع التربة الذي هو مستمد من الأرض‏, ‏وذلك لقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في خلق الإنسان‏ :‏
‏(1)‏ أنه ـ تعالى ـ"خلقه من تراب‏":(‏آل عمران‏:30‏ ـ الكهف:‏37‏ ـ الحج:‏5‏ ـ الروم‏:20‏ ـ فاطر‏:11‏ ـ غافر:‏67).‏
‏(2)‏ و"أن خلقه كان من طين‏"ـ ‏وهو التراب المعجون بالماء‏ ـ :(‏الأنعام‏:2‏ ـ الأعراف‏:12‏ ـ السجدة‏:7‏ ـ ص‏:71-76‏ ـ الإسراء‏:61).‏
‏(3)‏ و"من سلالة من طين"‏ـ‏ أي الخلاصة المنتزعة من الطين برفق‏ ـ :(‏المؤمنون‏:12) .‏
‏(4)‏ و"من طين لازب‏ "ـ ‏أي لاصق بعضه ببعض‏ ـ :(‏الصافات‏:11)‏ .
‏(5)‏ و"من صلصال من حمأ مسنون"‏ـ ‏أي أسود منتن ـ :(‏الحجر‏:26‏ـ‏28)‏ .
‏(6)‏ و"من صلصال كالفخار"‏(‏الرحمن‏:14) .‏
‏(7)‏ و"من الأرض"‏:(‏هود‏:61‏ ـ طه‏:55‏ ـ النجم‏:32‏ ـ نوح‏:17‏ـ‏18)‏ .
‏(8)‏ و"من الماء"‏: (‏الفرقان‏:54)‏ .
‏(9)‏ و"من ماء مهين"‏: (‏المرسلات‏:20)‏ .
‏(10)‏ و"من ماء دافق‏":(‏الطارق‏:6)‏ .
‏(11)‏ و"من سلالة من ماء مهين"‏: (‏السجدة‏:8)‏ .
وهذه كلها مراحل متتالية في الخلق‏ , ‏المراحل السبع الأولى منها‏ (‏من تراب‏,‏ من طين‏,‏ من سلالة من طين‏,‏ من طين لازب‏,‏ من صلصال من حمأ مسنون‏,‏ ومن صلصال كالفخار‏,‏ ومن الأرض‏)‏ تنطبق على خلق أبينا آدم‏ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ ومنه خلق الله ـ تعالى ـ أمنا حواء‏ ـ‏ عليها السلام ـ‏ بمعجزة لا تقل عن معجزة خلق آدم من تراب الأرض‏ .‏
ومنذ خلق هذا الزوج الأول من البشر تسلسل نسلهما إلى يومنا الراهن، وسوف يستمر إلى قيام الساعة إن شاء الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بعملية التزاوج التي تحاول المعارف المكتسبة تفسيرها‏ (‏على ما فيها من غيوب كثيرة‏),‏وهذه تنطبق عليها المراحل من‏(8)‏إلى‏(11)‏ في التسلسل السابق، وإن كانت المراحل السبع الأولى أيضا تنطبق على جميع بني آدم؛ لأنهم كانوا في صلب أبيهم لحظة خلقه‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ : ‏‏" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ‏" (‏الأعراف‏:172)‏ .
وعلم الوراثة الحديث يرد بلايين البشر الذين يملأون جنبات الأرض اليوم‏, ‏وكذلك البلايين الذين عاشوا من قبل وماتوا‏,‏ والذين سوف يأتون من بعدنا إلى اليوم الآخر‏,‏ يرد هؤلاء جميعاً إلى شفرة وراثية واحدة، كانت في صلب أبينا آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ لحظة خلقه‏,‏ وقد ظلت هذه الشفرة في الانقسام ـ ولا تزال ـ مما يعين على ردها في الأصل إلى شفرة واحدة جمع فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ الخلق كله .
وفي ذلك يقول‏ :‏ ‏" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً "‏ (‏النساء‏:1)‏.
ويقول ربنا ـ‏ جل شأنه‏ ـ :‏ ‏" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏" (‏الأعراف‏:189)‏ .
ويقول ـ‏ عز من قائل‏ ت :‏
" خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " ‏(‏الزمر‏:6)‏.
ويقول‏ ـ تعالى، وهو أصدق القائلين‏ ـ : "
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ‏" (‏الأعراف‏:11)‏ .
والخطاب هنا للبشرية جمعاء مما يؤكد على أنهم كانوا جميعاً في صلب أبيهم آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ ‏لحظة خلقه‏, ‏ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ : ".....هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ .."‏ .
والإنشاء من الأرض كما يشمل أبا البشر وذريته جميعاً في صلبه لحظة خلقه، ينسحب على كل فرد من نسله إلى يوم الدين للأسباب التالية ‏:‏
‏(1)‏ أن شفرته الوراثية مستمدة من شفرة أبيه آدم‏ ـ عليه السلام‏ ـ وهو مخلوق أصلاً من تراب الأرض‏ .‏
‏(2)‏ أن خليتي نطفة الأمشاج مستمدة من جسدي والديه، وهما مستمدان أصلا من سلالة آدم المخلوق من تراب الأرض‏,‏ وقد تغذيتا بغذاء مستمد أصلاً من عناصر الأرض‏ .‏
‏(3)‏ بمجرد انغراس الخلية الأرومية ـ ‏النطفة الأمشاج‏ ـ‏ المنقسمة أقساماً عديدة في جدار الرحم، فإنها تبدأ في الاعتماد على دم الأم في تغذيتها، وهو مستمد أصلاً من غذاء الأم المستمد من عناصر الأرض‏ ،‏ ويستمر الحال كذلك في جميع المراحل الجنينية‏ ـ‏ العلقة‏,‏ المضغة‏,‏ العظام‏,‏ كسوة العظام لحما‏,‏ مرحلة النشأة خلقا آخر‏,‏ إلى طور المخاض‏ ـ‏ والجنين ينمو جسده على حساب دم أمه المستمد من غذائها‏,‏ وغذاؤها مستمد أصلاً من عناصر الأرض‏ .‏
‏(4)‏ طوال مرحلة الرضاعة والوليد يحيى على لبن أمه‏,‏ أو لبن مرضعة أخرى أرضعته‏,‏ أو على ألبان الحيوانات، وكل ذلك مستمد أصلاً من عناصر الأرض عن طريق طعام الأم أو المرضعة أو ألبان البهائم المتغذية على نبات الأرض‏ .‏
‏(5)‏ بعد الفطام يبدأ الطفل في التغذية المباشرة على نباتات الأرض وثمارها‏,‏ وعلى ألبان الأنعام ومنتجاتها، وهي تتغذي بنبات الأرض، وكل ذلك مستمد من عناصر الأرض الموجودة في تربتها ومائها وهوائها، وكل ذلك من مكونات الأرض‏ .‏
وعلى ذلك فإن في قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : " ... هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ... " عدداً من الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي‏‏ ولا لقرون متطاولة من بعده، مما يشهد للقرآن بأن كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ :"‏..‏ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ "
في الوقت الذي ساد الاعتقاد أن الجنين يتولد من دم الحيض، نزل القرآن الكريم بقول الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ
وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى "(النجم:45 ، 46) ‏‏.
وإذا علمنا أن الحيوان المنوي لم يكتشف إلا في القرن السابع عشر الميلادي، وأن بويضة الثدييات لم تكتشف إلا بعد ذلك بقرنين من الزمان ـ أي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ـ أدركنا سبق كلٍ من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة في الوصف الدقيق لجميع مراحل الجنين البشري الذي يتراوح طوله من أقل من الملليمتر في أسبوعه الأول إلى حوالي‏14‏ ملليمتر في الأسبوع السادس من عمره في زمن لم يكن متوفراً أية وسيلة من وسائل التكبير
‏.‏
وفي ذلك يقول المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ : " إِذَا مَرَّ
بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا "(أخرجه من أئمة الحديث كل من الإمام مسلم‏,‏ وأبو داود‏,‏ والطبراني وغيرهم‏).
والخلية البشرية الحية التي لا يكاد قطرها أن يتعدى ‏0,03‏ من الملليمتر تبلغ من الدقة والتعقيد في البناء‏,‏ والإعجاز في إنجاز الأعمال ما لم تبلغه أكبر المصانع العملاقة التي أنشأها الإنسان‏,‏ بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن من تحقيق ذلك بعد‏ .‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد أعطاها القدرة على إنتاج مائتي ألف نوع من البروتين تعجز أكبر المصانع عن إنتاجها ‏.‏
والخلية التناسلية في الإنسان تحمل نصف عدد الصبغيات‏ ـ‏ الكروموسومات‏ ـ في الخلية العادية‏,‏ ولكي تنبني صفات جنين كما قدرها الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في علمه الأزلي لابد وأن يلتقي فردان من البشر ذكر وأنثي معلومان في علم الله، وأن يقسم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لهما الزواج‏,‏ وأن يختار الله‏ ـ تعالى ـ‏ نطفة ذكرية محددة تحمل صفات وراثية معينة من بين بلايين البلايين التي تنتجها الغدد التناسلية في هذا الذكر لتتحد في وقت محدد مع بويضة محددة من بين المئات التي تنتجها الخلايا التناسلية في تلك الأنثى لتتكون منها‏ " ‏النطفة الأمشاج‏ " التي تختلط فيها الصبغيات لتنتج شفرة وراثية محددة لها صفاتها المدونة في علم الله‏,‏ ويكتمل بذلك عدد الصبغيات في الخلية البشرية، فتبدأ في الانقسام والمرور بالمراحل الجنينية المتتالية من النطفة الأمشاج إلى العلقة‏,‏ فالمضغة‏,‏فخلق العظام‏,‏ ثم كسوتها باللحم‏,‏ ثم تنشئة الجنين خلقاً آخر، حتى المخاض والخروج إلى الحياة فرداً حياً له صفات جسدية وشخصية محددة، حددها له الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ منذ الأزل، ورعاها في المراحل الجنينية المتتابعة،ولذلك قال ـ تعالى‏ ـ :
‏" اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" (‏الرعد‏:8) .‏
وقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : "..‏ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ‏.." (‏لقمان‏:34) .‏
ولذلك أيضاً قال ـ تعالى‏ ـ :‏
"..‏ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ‏..." (‏النجم‏:32) .‏
والعلوم الحديثة تشير إلى التشابه الكبير في التركيب الكيميائي بين التربة الزراعية‏‏ وأديم الأرض وجسم الإنسان‏,‏ مع غلبة الماء على جسم الإنسان، وتركيز عدد من العناصر التي أهمها الكربون‏,‏ والنيتروجين‏,‏ والفوسفور‏,‏ والكالسيوم‏ .
‏ وعلم الأجنة الحديث يؤكد ضخامة الأحداث التي تتم أثناء تكون الجنين في بطن الأم، والتي لا يمكن لها أن تتكامل بغير هداية ربانية‏,‏ كما يؤكد على دقة التعبيرات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تصف تلك المراحل والأحداث بشمول وكمال لم يصله العلم الحديث، مما يشهد بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، ويشهد بالنبوة والرسالة للنبي الخاتم الذي تلقاه .
فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏0 ‏وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أمواج الصمت





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   11/6/2010, 11:37

سبحــــــــــــــــــــان الله المعجز
سبحان الله الذي أنزل علينا القران نتلوه آناء الليل وأطراف النهار
سبحان الله الذي أمرنا بتدبر القران

اللهم ثبت القران في قلوبنا..وارزقنا تدبره وافتح مسامع قلوبنا
لتدبره وفهمه واخلطه بدمائنا واجعله يسري مع الدم في عروقنا
اللهم اكسوبه بنا الحلل..واعظم به النعم

فلك مني غاليتي رودي الشكر الجزيل
والتقدير زكل المحبة على هذا الموضوع الفريد
يحوي معلومات دقيقة وجميلة
بارك الله فيك وسلمت يداك
لاعدمت اختا غالية في هذا المنتدى
ولاعدمت روووووائعك الثمينة
وتقبلي مروري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بلقيس





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   11/6/2010, 13:24

سبحان الله العظيم
أشكرك غاليتي على ماقدمتيه
سلمت يداك
تقبلي تحياتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
smoll fefe




مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   11/6/2010, 14:17

بارك الله فيكى على الطرح

لا عدمنا جديدك يارب

دمتى ودامت طلتك المميزة بالجديد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أريج الكادي





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   11/6/2010, 22:48

سبحان الله الخالق البارئ المصور
إعجااز راائع وطرح موفق
بارك الله في جهودك
تقبلي مروري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
*rody*





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   12/6/2010, 04:30

شكرا اخواتي الحبيبات

اموااج

فيفي

بلقيس

اريج

على تواجدكم العطر والمميز

لكم مني اجمل تحية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الوردة الحمراء





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   12/6/2010, 19:33

سبحان الله

مشكوورة غاليتي علي الطرح المميز

دمتي بكل ود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نسمة الامل





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   12/6/2010, 23:15

موضوع رائع وطرح مميز

جزاك الله خيرا وجعله الله في موازين حسناتك

لاعدمنا جديدك المميز يارب

دمت بود وحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
*rody*





مُساهمةموضوع: رد: الاعجاز في سورة النجم   12/6/2010, 23:53

شكرا وردة وبحورة

على تواجدكم العطر

لكم مني اجمل تحية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الاعجاز في سورة النجم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نسمة الحياة :: القســم الاسـلامى :: *القـــــــران والعلـــــم*-
انتقل الى: